في الذكرى الثالثة والستين لاسترجاع السيادة الوطنية، تقف الجزائر أمام لحظة استرجاع للذاكرة وتأكيد على الاستمرارية. ففي عددها الصادر لشهر يوليو، أطلقت مجلة “الجيش” رسالة قوية عبر افتتاحية بعنوان “على درب الوفاء”، عكست من خلالها روح المرحلة والتوجهات الكبرى للدولة، كما عبّرت عن نظرة المؤسسة العسكرية للمكانة التي بلغتها الجزائر اليوم والتحديات التي تنتظرها في الغد.
الافتتاحية لم تكن مجرد استحضار تقليدي لمناسبة وطنية، بل جاءت لتؤكد بأن الجزائر التي استعادت استقلالها بدماء الملايين من الشهداء، تسير اليوم على خطى بناء دولة قوية حديثة، تستلهم من ماضيها المجيد قيم التضحية والوطنية لتخوض معركة الحاضر، معركة البناء والنهوض، وسط عالم متقلب تتسارع فيه الأحداث والتحولات. لقد رسمت المجلة صورة الجزائر الجديدة باعتبارها دولة منتصرة، واثقة، تسير بثبات في مسار نهضوي شامل لا يكتمل إلا بتكاتف الجزائريين جميعًا.
تذكّر الافتتاحية بأن فجر الاستقلال لم يكن هبة، بل كان ثمرة كفاح طويل، وأن المجد الذي كُتب بدم الشهداء يجب أن يُصان بوعي الأحياء وإخلاصهم، خاصة في ظل التحولات الدولية والإقليمية الراهنة التي تفرض على الجزائر أن تكون متأهبة، موحدة، وقادرة على الدفاع عن مكتسباتها. ولعل الإشارة المتكررة إلى “الوفاء” لم تكن عاطفية، بل سياسية بامتياز: وفاء للمبادئ، للسيادة، للوحدة، وللمؤسسات التي ضحى الجزائريون من أجل قيامها.
في هذا السياق، جاءت الإشادة بالدور المركزي للجيش الوطني الشعبي، باعتباره الامتداد الطبيعي لجيش التحرير، حامي الاستقلال ودرع السيادة، والذي لا يزال يبرهن، بحسب المجلة، أنه المعول الذي يبني كما كان السلاح الذي حرّر. فالجيش في الجزائر لا يُختزل في بعده الأمني أو الدفاعي، بل يُنظر إليه كفاعل محوري في مشروع الدولة، سواء من حيث دعم الاستقرار أو مرافقة التنمية، أو حتى في حماية الخيارات السيادية من الضغوط الخارجية.
وقد جاء كلام الفريق أول السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، ليعمّق هذا الطرح، حين أكد على ضرورة اليقظة والوعي في ظل مشهد إقليمي ودولي تتزايد فيه التحديات الأمنية والتهديدات. فالمسؤولية الملقاة على عاتق المؤسسة العسكرية ليست مجرد تأمين الحدود، بل حماية المشروع الوطني برمته، وهو مشروع لا يُختزل في اقتصاد أو سياسة فقط، بل في هوية، واستقلالية قرار، وكرامة شعب.
الرؤية التي تقدمها افتتاحية مجلة “الجيش” تعبّر بوضوح عن وجود تصور استراتيجي لدى الدولة الجزائرية لما تسميه بـ”الجزائر الجديدة”: دولة استوعبت دروس الماضي، وتتحرك في الحاضر بإرادة واعية، وتسعى إلى فرض مكانتها في عالم تحكمه التكتلات والمصالح. الجزائر اليوم، كما تصفها المجلة، ليست ذلك البلد الباحث عن مكانه، بل هي قوة إقليمية صاعدة تستند إلى شرعية تاريخية، ومؤسسات سيادية، وشعب شاب طموح توليه السلطات أهمية قصوى، إدراكًا منها أن رهانات المستقبل لن تُربح إلا بالكفاءات والإبداع.
إن استحضار كلمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في هذه المناسبة لم يكن مجرد تكريم رمزي، بل تأكيد على التماهي بين المشروع السياسي للدولة والرؤية الدفاعية والأمنية للمؤسسة العسكرية. فكلاهما يلتقيان عند نقطة مركزية: تعزيز الحصانة الوطنية، بناء الدولة العصرية، وتثبيت مرجعيات الأمة في ظل عالم لا يرحم الضعفاء ولا يحترم المترددين.
إن الجزائر، وهي تُحيي ذكرى استرجاع استقلالها، تدرك أن الوفاء الحقيقي لتضحيات الشهداء لا يكون بالبكاء على الأطلال، بل بتحقيق الأمل الذي ماتوا من أجله: جزائر قوية، موحدة، عادلة، متقدمة. وهو ما أكدته المجلة حين ختمت افتتاحيتها بتحية إجلال لمن ضحوا في الأمس، وتقدير لمن يرابطون اليوم على حدود الوطن وفي كل نقطة منه، دفاعًا عن أمانة الشهداء.
بهذا النفس الوطني العميق، وبلغة تجمع بين الذاكرة والتحليل، وبين العاطفة والمسؤولية، تؤكد مجلة “الجيش” أن الجزائر الجديدة ليست شعارًا سياسيا، بل مسارًا طويلًا لا رجعة فيه، وأن السير على درب الوفاء ليس ترفًا رمزيًا، بل ضرورة وجودية لحماية ما تحقق، وبناء ما ينتظر أن يتحقق.