في الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، تعود بنا الذاكرة إلى ليلة الفاتح من نوفمبر 1954، حين قرر رجال آمنوا بالحرية أن يواجهوا واحدة من أعتى القوى الاستعمارية، بإمكانيات محدودة وإرادة لا تعرف الاستسلام. لم تكن الثورة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت قرار شعب اختار استعادة أرضه وسيادته مهما كان الثمن، فقدم قوافل من الشهداء والمجاهدين، وترك للأجيال أمانة وطنية عنوانها الحرية والكرامة وبناء دولة تليق بتضحيات أبنائها.
والجلفة، كغيرها من مناطق الوطن، تحمل في ذاكرتها صفحات مشرقة من تاريخ الثورة التحريرية. فقد احتضنت جبالها ومداشرها وسهولها رجالا اختاروا طريق الكفاح، وواجهوا الاستعمار بشجاعة وإيمان، وقدموا تضحيات كبيرة من أجل أن تنعم الأجيال اللاحقة بالاستقلال. إنها ذاكرة لا ينبغي أن تختزل في الاحتفالات والخطب، بل يجب أن تبقى حاضرة في طريقة تسيير الشأن العام، وفي مستوى التنمية والخدمات التي تصل إلى المواطن.
وبعد اثنين وسبعين عامًا من اندلاع الثورة، يصبح الاحتفاء بهذه المناسبة فرصة لاستحضار بطولات الآباء ومواقف الرجال، وفي الوقت نفسه لطرح سؤال جوهري: ماذا تحقق في ولاية الجلفة؟ وهل استطاعت البرامج التنموية أن تنعكس فعلًا على حياة سكانها؟ وما الذي قدمته السلطات المحلية، بقيادة الوالي جهيد موس، في مسار تحسين واقع الولاية؟
على مستوى التنمية، شهدت الجلفة تسجيل برامج ومشاريع في قطاعات متعددة، من بينها الطرقات والصحة والتحسين الحضري، إلى جانب البرنامج التكميلي الذي تضمن مئات العمليات التنموية بغلاف مالي معتبر. وقد أشارت الحصائل المنشورة إلى تسجيل 431 عملية بغلاف مالي يقارب 184.784 مليار دينار، مع انطلاق الأشغال في عدد معتبر منها. وهي أرقام تعكس حجم الاعتمادات المرصودة، لكنها تطرح في المقابل ضرورة تقديم حصيلة دقيقة توضح ما دخل حيز الخدمة، وما لا يزال قيد الإنجاز، وما لم تنطلق أشغاله بعد.
وفي قطاع الأشغال العمومية، دخل مقطع بطول 16 كيلومترًا من مشروع ازدواجية الطريق الوطني رقم 1 الرابط بين الجلفة والأغواط حيز الخدمة، وهو مكسب مهم لحركة التنقل والسلامة المرورية. كما انطلقت أشغال الطريق الاجتنابي الغربي لمدينة الجلفة، على مسافة 10 كيلومترات، في مشروع ينتظر منه تخفيف الضغط المروري عن عاصمة الولاية وتحسين حركة المركبات. غير أن تقييم هذه المشاريع يجب أن يستند إلى مدى احترام آجال الإنجاز وجودة الأشغال، وليس إلى إعطاء إشارة الانطلاق فقط.
أما في القطاع الصحي، فتتضمن البرامج المعلنة مشاريع هامة، من بينها مستشفيات عين وسارة وحد الصحاري والشارف، بطاقة إجمالية تصل إلى 240 سريرًا، إلى جانب عمليات أخرى لتحسين الهياكل الصحية. وهي مشاريع تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى اتساع إقليم الولاية وحاجة سكانها إلى خدمات صحية متخصصة، لكن المواطن ينتظر أن يرى أثرها في الواقع من خلال دخولها الخدمة، وتوفير الأطباء والتجهيزات والتخصصات الضرورية، حتى لا تبقى المرافق الصحية مجرد بنايات دون خدمات كافية.
وفي بلدية الجلفة، عاصمة الولاية، أعلن الوالي عن تخصيص غلاف مالي يفوق 230 مليار سنتيم لعمليات التحسين الحضري، تشمل تهيئة ساحات عمومية ومحاور طرقية ومداخل المدينة، إلى جانب إعادة الاعتبار لعدد من الفضاءات الحضرية. وهي مشاريع يمكن أن تساهم في تحسين وجه المدينة، لكن التحدي الحقيقي يبقى في تجسيدها على أرض الواقع، وضمان توزيع جهود التهيئة على الأحياء، بما يستجيب لانشغالات السكان ولا يقتصر على المحاور الرئيسية والواجهات.
وبمناسبة الذكرى الثانية والسبعين، كشف البرنامج الرسمي المسطر من طرف ولاية الجلفة عن سلسلة من النشاطات الميدانية التي أشرف عليها الوالي جهيد موس، والتي امتدت إلى عدد من البلديات، ولم تقتصر على الاحتفالات الرمزية في عاصمة الولاية.
ففي يوم 29 أكتوبر، انطلقت الزيارة من بلدية حاسي بحبح، حيث تم وضع مشروع الربط بالكهرباء الفلاحية حيز الخدمة لفائدة 225 مستثمرة، في خطوة تستهدف دعم النشاط الفلاحي وتحسين ظروف الاستثمار والإنتاج. بعدها توجه الوفد إلى بلدية سيدي بايزيد، لوضع مشروع الكهرباء الريفية بمركز بسطامة حيز الخدمة لفائدة 60 سكنا، قبل الانتقال إلى بلدية دار الشيوخ، أين تم وضع قاعة رياضية متخصصة حيز الخدمة، إلى جانب وضع مشاريع الربط بالغاز الطبيعي حيز الخدمة لفائدة سكان حي العقيد سي الحواس، والمجمع الجديد القريب من السوق الأسبوعي.
أما يوم 31 أكتوبر، فقد خصص جانب من البرنامج لزيارة عدد من المجاهدين والمجاهدات بمقرات إقامتهم، في التفاتة تحمل دلالات رمزية وإنسانية، باعتبار أن استحضار الثورة لا يكتمل دون الوقوف عند الذين عاشوا محنتها وشاركوا في صنع تاريخها. كما تضمن البرنامج وضع المسجد العتيق بحي البرج ببلدية الجلفة حيز الخدمة بعد إعادة ترميمه، في خطوة تعيد الاعتبار لمعْلم ديني وتاريخي بالمدينة.
وامتدت النشاطات المسائية إلى دار الثقافة ابن رشد، حيث برمج معرض للصور التاريخية من تنظيم المتحف الولائي للمجاهد وقطاع الثقافة، وتلاوة آيات من الذكر الحكيم، والاستماع إلى النشيد الوطني، وكلمة والي الولاية، إلى جانب ندوة تاريخية تناولت الذاكرة وثورة التحرير ومذكرات مجاهدي المنطقة، وعرض مسرحي بعنوان «حكايات من زمن القبّرة»، فضلًا عن تكريم المجاهدين وذوي حقوق الشهداء. واختتم البرنامج بالتوجه سيرًا على الأقدام إلى ساحة الشهداء بوسط المدينة، حيث تم عند منتصف الليل رفع العلم الوطني وقراءة فاتحة الكتاب ترحمًا على أرواح الشهداء.
هذه النشاطات والمشاريع المعلن عن وضعها حيز الخدمة تمثل جانبا من الحصيلة الرسمية لبرنامج إحياء الذكرى، وتستحق التوثيق والإشارة إليها. كما أن وضع مشاريع الكهرباء الفلاحية والريفية والقاعة الرياضية والمسجد العتيق حيز الخدمة يختلف عن مجرد الإعلان عنها أو إعطاء إشارة انطلاق أشغالها، وهو ما يجعل من الضروري تثمين ما تحقق، مع متابعة مدى استمرارية الخدمات وجودتها بعد انتهاء المناسبة.
لكن، وبعيدا عن البرنامج الاحتفالي، تبقى الجلفة أمام تحديات تنموية لا يمكن تجاوزها بمجرد إطلاق مشاريع جديدة. فما تزال بعض الأحياء تنتظر حلولًا لانشغالات مرتبطة بالماء والطرقات والإنارة والتهيئة، كما يظل تحسين النقل والخدمات الصحية والتكفل بانشغالات المواطنين من الملفات التي تتطلب متابعة مستمرة. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مسؤولية الولاية عن مسؤولية البلديات والقطاعات التنفيذية، لأن التنمية لا تتحقق بقرار واحد أو زيارة ميدانية، بل بتنسيق ومتابعة ومحاسبة وتقييم للنتائج.
ومن حق سكان الجلفة أن يتساءلوا عن مصير المشاريع التي أعلن عنها في السنوات الماضية، وعن آجال استكمالها، وعن مدى استفادة مختلف البلديات من البرامج التنموية، حتى لا تبقى بعض المناطق في انتظار متواصل، بينما تتقدم مناطق أخرى في وتيرة الإنجاز. كما أن بلدية الجلفة، باعتبارها عاصمة الولاية وواجهتها، مطالبة بمواصلة تحسين المحيط الحضري، والاهتمام بالأحياء الشعبية، وتوفير فضاءات عمومية لائقة، والتكفل بالنقائص اليومية التي يلمسها المواطن قبل غيرها.
إن تقييم عمل الوالي جهيد موس لا ينبغي أن يرتبط بعدد الزيارات أو النشاطات المبرمجة في مناسبة وطنية، كما لا يصح تجاهل المشاريع التي تم وضعها حيز الخدمة خلال هذه المناسبة. المعيار الحقيقي هو ما تحقق على امتداد فترة تسييره للولاية، وما تغير في حياة المواطن، ومدى احترام آجال المشاريع وجودة الإنجاز، وقدرة السلطات المحلية على معالجة الملفات العالقة والاستجابة لانشغالات السكان.
فأول نوفمبر ليس مناسبة لاستحضار الماضي فقط، بل محطة لتجديد العهد مع الوطن، وترجمة قيم الثورة إلى مسؤولية وإخلاص في العمل. لقد واجه الآباء الاستعمار بإرادة صنعت الاستقلال، واليوم تنتظر الأجيال من المسؤولين إرادة مماثلة في خدمة المواطن، ومحاربة التهميش، وتحقيق تنمية عادلة تشمل مختلف بلديات الولاية دون استثناء.
في هذه الذكرى، نترحم على شهدائنا الأبرار، ونحيي المجاهدين الذين صنعوا تاريخ الجزائر، ونستذكر رجال الجلفة الذين تركوا أسماءهم في سجل التضحية والوفاء. كما نؤكد أن أفضل تكريم لهم لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما ببناء ولاية قوية، تتوفر فيها شروط العيش الكريم، وتتحول فيها المشاريع المعلنة إلى إنجازات ملموسة يستفيد منها المواطن.
حرر الآباء الأرض بدمائهم، وأمانة اليوم أن تبنى الجلفة بالعمل والإنجاز. فهل تكون ذكرى نوفمبر محطة لتقييم ما تحقق واستدراك ما تأخر، أم ننتظر نوفمبر آخر لنكرر الأسئلة نفسها؟
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، وتحيا الجزائر.
