الجلفة أونلاين

المنطقة الصناعية بالجلفة… مشاريع وهمية تبتلع العقار وتقتل فرص التنمية

المنطقة الصناعية بالجلفة… مشاريع وهمية تبتلع العقار وتقتل فرص التنمية

تعد ولاية الجلفة من كبريات ولايات الجزائر من حيث عدد السكان، إذ تجاوزت عتبة المليون نسمة، ما يجعلها كتلة ديمغرافية قادرة على أن تتحول إلى قطب اقتصادي وصناعي رائد. غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذه الولاية، رغم مساحتها الواسعة وموقعها الاستراتيجي بين الشمال والجنوب، ما زالت تصنف كـ”ولاية مليونية بلا قطب صناعي ولا شركات كبرى”، حيث ظلت المنطقة الصناعية بها رهينة مشاريع وهمية، وممارسات مضاربة عقارية عطلت كل مسعى حقيقي للتنمية وخلقت فراغا اقتصاديا قاتلا.

حينما وضعت اللبنات الأولى للمنطقة الصناعية بالجلفة في تسعينيات القرن الماضي، كان الهدف أن تتحول إلى فضاء جاذب للاستثمار، ومحفز لخلق فرص العمل، وركيزة لتنويع الاقتصاد المحلي. لكن ما حدث هو العكس تماما: مئات الهكتارات من العقار الصناعي وزعت على مستثمرين لم ينجز معظمهم شيئا يذكر. البعض حول القطع الممنوحة إلى مستودعات خاصة، وآخرون استعملوها في مشاريع تجارية وسكنية لا علاقة لها بالتصنيع، في حين فضل جزء كبير منهم انتظار ارتفاع أسعار العقار لإعادة البيع وتحقيق أرباح سريعة.

التقارير الرسمية كشفت أن السلطات وجهت ما يفوق 255 إعذارا لمستفيدين متقاعسين، كما رفعت أكثر من 60 قضية قضائية، تم الفصل في 41 منها بفسخ العقود واسترجاع العقار. ومع ذلك، لم تتجاوز نسبة المشاريع المنجزة فعليا بضع وحدات متناثرة في مجالات التحويل الغذائي ومواد البناء.

الجلفة، بثقلها البشري والإداري، كان يفترض أن تكون اليوم موطنا لمصانع كبيرة على غرار ولايات قريبة مثل سطيف، برج بوعريريج، أو البليدة، حيث تنتشر شركات الإلكترونيات والمواد الغذائية والدواء. لكن الواقع يقول إن الجلفة ما زالت تعتمد على الوظيفة العمومية والأنشطة التجارية البسيطة كمحرك رئيسي للاقتصاد. لا وجود لشركة كبرى تشغل آلاف العمال، ولا وجود لصناعة ثقيلة تعيد تشكيل المشهد التنموي. هذا الغياب جعل آلاف الشباب يطرقون أبواب البطالة أو يهاجرون إلى ولايات أخرى بحثا عن لقمة عيش، كما أن المنطقة الصناعية، التي كان يفترض أن تكون رافعة للاقتصاد، تحولت إلى شاهد صامت على خيبات السياسات التنموية المتعاقبة.

أحد أبرز مظاهر الفشل في المنطقة الصناعية هو تحول العقار الصناعي إلى ريع مقنع. فقد حصل العديد من “المستثمرين” على عقود امتياز فقط من أجل اكتناز الأرض أو إعادة بيعها بطرق ملتوية. وهكذا ضاعت سنوات طويلة من دون أن يرى المواطن أي مصنع يفتح أو أي خط إنتاج يدخل الخدمة. والأدهى أن هذه الظاهرة لم تكن خافية على المسؤولين المحليين، بل جرى التغاضي عنها في فترات معينة، إما بدافع المحاباة، أو بفعل استغلال ملف الاستثمار كشعار انتخابي يرفع قبيل كل استحقاق، لينسى بعدها.

الخطوات الأخيرة التي باشرتها السلطات الولائية، والمتمثلة في فسخ 14 عقد امتياز، وتجميد عشرات الملفات قيد التحقيق، تعد مؤشرا على أن صفحة جديدة قد تفتح. لكن السؤال الجوهري هو: هل يكفي استرجاع العقار لإنهاء سنوات الفوضى؟ المراقبون يؤكدون أن استرجاع العقار خطوة ضرورية لكنها غير كافية. فالنجاح الحقيقي يقتضي وضع خارطة طريق واضحة تحدد أولويات الاستثمار في قطاعات واعدة مثل التحويل الغذائي، الصناعات الدوائية والطاقة المتجددة، مع ضمان الشفافية في منح العقار بعيدا عن المحسوبية والزبونية، وإطلاق شراكات مع مستثمرين وطنيين وأجانب قادرين على تحويل الجلفة إلى ورشة اقتصادية حقيقية، إضافة إلى تكوين اليد العاملة المحلية حتى لا تتحول فرص التشغيل إلى استقدام يد عاملة من ولايات أخرى.

غياب قطب صناعي بالجلفة لا يعني فقط ضياع فرص استثمار، بل يتعداه إلى انعكاسات اجتماعية مقلقة. فارتفاع البطالة، خاصة بين الشباب الجامعي، خلق حالة من الإحباط العام، وأدى إلى توسع الاقتصاد الموازي كنشاط بديل. كما أن ضعف الاستثمار الصناعي جعل السوق المحلية تعتمد بشكل شبه كامل على السلع القادمة من ولايات أخرى، وهو ما انعكس على الأسعار والتوازن التجاري للولاية. ومن زاوية أوسع، فإن بقاء ولاية مليونية مثل الجلفة خارج دائرة التصنيع الوطني، يشكل خسارة استراتيجية للجزائر، التي تسعى إلى تنويع اقتصادها وتقليص التبعية للمحروقات.

اليوم، تجد السلطات نفسها أمام مسؤولية تاريخية: إما أن تتحول المنطقة الصناعية إلى رافعة حقيقية للتنمية، أو تبقى مجرد “مقبرة” للمشاريع الوهمية. الفارق سيكون في كيفية إدارة المرحلة الجديدة. فالمواطن البسيط لم يعد يثق في الوعود، بل يريد أن يرى مصانع قائمة، وشركات كبرى توظف أبناءه، وأن يشعر بأن ثروة العقار الصناعي استغلت لصالحه لا لصالح المضاربين.

الحكومة الجزائرية تحدثت مؤخرا عن “قطع نهائي مع العقار الوهمي” وربط كل متر مربع بمشروع فعلي على الأرض. إذا نفذ هذا التوجه بصرامة، فإن الجلفة قد تتحول فعلا إلى قطب صناعي خلال السنوات القادمة، خاصة أنها تتوفر على موقع استراتيجي بين الشمال والجنوب، ويد عاملة شابة تبحث عن فرص، وشبكات طرق وسكك حديدية قيد التهيئة. لكن الشرط الأساسي يبقى هو الإرادة السياسية الحقيقية، بعيدا عن الاستغلال الانتخابي للملف.

إن قصة المنطقة الصناعية بالجلفة ليست مجرد ملف إداري عن عقود وقطع أرضية، بل هي مرآة لخلل بنيوي في السياسات التنموية التي غلبت الريع على الإنتاج، والمضاربة على الاستثمار، والوعود على الأفعال. واليوم، في ولاية مليونية بلا قطب صناعي ولا شركات برى، أصبح التصحيح ليس خيارا بل حتمية تاريخية. إما أن يكتب للجلفة أن تدخل زمن الصناعة أخيرا، أو تظل أسيرة وهم الاستثمار إلى أجل غير مسمى.

Exit mobile version