الجلفة أونلاين

النائب دكاني لوزير العمل والتشغيل: “لا تحاصرني بالأرقام.. هؤلاء قضوا 10 سنوات في الإدارة ثم طردوا للشارع!”

النائب دكاني لوزير العمل والتشغيل: “لا تحاصرني بالأرقام.. هؤلاء قضوا 10 سنوات في الإدارة ثم طردوا للشارع!”

في جلسة برلمانية شهدت لحظات نادرة من التوتر العاطفي والمسؤولية الأخلاقية، وجه النائب محمد دكاني سؤالا استثنائيا إلى وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، لم يكن مجرد استفسار روتيني ضمن جدول أعمال البرلمان، بل كان صرخة ألم باسم آلاف الجزائريين الذين وصفهم بـ«الجيل الضائع»: أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة الدولة عبر عقود إدماج أو تشغيل مؤقت، ليتركوا اليوم بين بطالة مقنعة وكرامة مهددة، بلا حق في منحة البطالة، ولا احتساب لخبرتهم المهنية، ولا حتى فرصة عادلة في مسابقات التوظيف. افتتح دكاني كلمته بتذكير الجميع أن سؤاله ليس حزبيا ولا شكليا، بل نابع من «زيارات ميدانية يومية، احتجاجات أمام مقراتنا، ودموع لا ترى في التقارير الرسمية». وأوضح أن الحديث لا يدور حول من لا يزالون مشمولين بنظام الإدماج، بل عن فئة مهملة تماما: من انتهت عقودهم قبل تفعيل التدابير الجديدة، ومن لا يستفيدون من أي غطاء اجتماعي لأنهم «كانوا يعملون»، ومن لا يحسب لهم سنو الخبرة عند التقدم لمسابقات التوظيف، بل إن بعضهم تجاوز الخمسين من عمره بعد أن ضيع زهرة شبابه في خدمة مؤسسات عمومية أو خواص، دون أن يحصل على أدنى ضمان مستقبلي. وقال دكاني بصوت مرتعش: «تخيل أنك وصلت الخمسين، وضعت شبابك في الإدارة الجزائرية، ثم طُردت كأنك لم تكن شيئًا… تعبنا، والله تعبنا».

لكن رد الوزير، رغم احتوائه على أرقام وإحصائيات دقيقة، بدا بعيدا كل البعد عن جوهر المعاناة التي قدمها النائب — فكأنه يتحدث عن «مؤشرات»، بينما دكاني كان يروي قصص بشر. فقد أشار الوزير إلى أن 2,108,080 شخصا تم إدماجهم حتى تاريخ 31 أكتوبر 2019، وأن 5,212 آخرين تم التكفل بهم في القطاع الاقتصادي، وأن 417 ألف شاب تم إدماجهم خلال السنة الجارية. لكن هذه الأرقام، رغم دقتها، لم تلامس جوهر السؤال. فالمشكلة ليست في «من تم إدماجه»، بل في من سقطوا بين ثغرات القانون: أولئك الذين لم يشملهم المرسوم التنفيذي رقم 19-300 لأن عقودهم انتهت قبل التاريخ المرجعي (31 أكتوبر 2019)، أو لأنهم عملوا في مؤسسات خواص لا تخضع لسلطة الدولة المباشرة. وبدلا من الاعتراف بوجود ثغرة تشريعية أو إنسانية، اقترح الوزير حلا بيروقراطيا: «إذا كان لديك قائمة بأسماء هؤلاء، أحضرها لنا، وسندرس وضعهم»، بل وذهب أبعد من ذلك، داعيا النائب إلى «أخذ موعد مع مسؤولي الوزارة» — كأن القضية لا تستحق نقاشا برلمانيا علنيا، بل مقابلة إدارية في مكتب مغلق.

والحقيقة أن المشكلة أعمق من أن تحل بقائمة أسماء. فعقود الإدماج لم تكن تبرعا من الدولة، بل كانت استراتيجية حكومية لسد العجز في الوظيفة العمومية باستغلال يد عاملة رخيصة، دون ضمانات حقيقية. والآن، وبعد أن أنهى هؤلاء مهمتهم، يقال لهم: «انتهى عقدك، لا حق لك في شيء». والأكثر إثارة للاستغراب هو التفريق الصارخ بين «القطاع العمومي» و«الخواص»: فهل يعقل أن موظفا عمل 12 سنة في مؤسسة عمومية يدمج، بينما زميله في مؤسسة خاصة — ربما تحت إشراف وزارة — يترك لمصيره؟ أليس كلاهما جزائريا، وخدم الوطن؟ إن هذا التمييز لا يعكس عدالة اجتماعية، بل يكشف عن فجوة في الرؤية الحكومية تجعل من الموظف في القطاع الخاص مواطنًا من الدرجة الثانية.

ما فعله النائب دكاني لم يكن «هجوما سياسيا»، بل واجبا أخلاقيا. ففي زمن تختزل فيه السياسة في البيانات والمؤشرات، يبقى البرلمان آخر مكان يمكن أن يسمع فيه صوت المواطن البسيط. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس: «هل يمكن إدماج الجميع؟»، بل: «هل نملك الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بأننا أخطأنا، وأن جزءا من جيلنا سلبت منه الكرامة باسم الإصلاح؟». لأن العدالة لا تقاس بعدد المدمجين، بل بعدم ترك أحد خلف الركب. وطالما أن هناك مواطنا يطرق أبواب النواب كل يوم، يحمل في عينيه سنوات من الإحباط، فإن واجب الدولة — لا منة منها — أن تعيد له ما سلب منه: الحق في الكرامة، والعمل، والانتماء.

المواجهة انتهت بـ “هروب تكتيكي” نحو المكاتب المغلقة، حيث اقترح رئيس الجلسة عقد لقاء خاص بين النائب والوزير، في إشارة واضحة إلى أن الإجابة الرسمية تحت قبة البرلمان كانت “هلامية وبعيدة كل البعد عن أنات المتضررين”.

 

المصدربقلم: محرّر الشؤون البرلمانية
Exit mobile version