بلدية الجلفة.. من شموخ التأسيس إلى مهزلة التسيير: حين ترهن مدينة بحجم أمة لخدمة “جيوب الكواليس”..

djelfaonlaine23 فبراير 2026
بلدية الجلفة.. من شموخ التأسيس إلى مهزلة التسيير: حين ترهن مدينة بحجم أمة لخدمة “جيوب الكواليس”..
بينما تتزين الذاكرة بعبق العشرين من فيفري سنة 1861، التاريخ الذي وضع اللبنة الأولى لمدينة الجلفة لتكون نبضا للهضاب العليا وقلبا نابضا للسهوب الجزائرية، نجد أنفسنا اليوم، ونحن في رحاب عام 2026، أمام مفارقة تاريخية موجعة تضعنا وجها لوجه مع واقعٍ إداري وتنموي يثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجب حول مصير هذه “العاصمة المليونية”. إن المتأمل في المشهد العام لبلدية الجلفة، رابع كبرى بلديات الوطن من حيث الثقل الديموغرافي، يصطدم بحقيقة مرة مفادها أن المدينة تعيش حالة من “اليتم التنموي” نتيجة تقهقر دور المجلس الشعبي البلدي الحالي، الذي بدا في عهدته هذه وكأنه “خارج مجال التغطية” كليا، غارقا في دوامة من الصراعات الداخلية المحمومة التي لا علاقة لها بهموم المواطن الجلفاوي، بل تتركز في مجملها حول “الفائدة الشخصية” وتوزيع مناطق النفوذ داخل أسوار المرفق العام، وهو ما حول مبنى البلدية من مؤسسة لخدمة الشعب إلى ما يشبه “المملكة الخاصة” المغلقة الأبواب، حيث تمارس فيها سياسة الإقصاء والهروب إلى الأمام، في ضرب صارخ لكل مبادئ الديمقراطية التشاركية وتقريب الإدارة من المواطن. إن هذا التردي الخطير في أداء المجلس البلدي، جعل مدينة الجلفة تتقهقر بشكل مخيف في سلم المقارنة مع عواصم الولايات، فبينما تتنافس ولايات مثل سطيف، بسكرة، وحتى الولايات المنتدبة الجديدة على نيل مراتب الريادة في عصرنة المرافق وتجميل المحيط، تقبع الجلفة في ذيل الترتيب الوطني من حيث جودة الحياة الحضرية، حيث تغرق أحياؤها العريقة والجديدة على حد سواء في الظلام الدامس نتيجة تعطل شبكات الإنارة العمومية، وتتحول طرقاتها إلى خنادق وحفر تعيق الحركة المرورية، ناهيك عن الفشل الذريع في تسيير ملف النفايات الذي شوه وجه “عاصمة السهوب”. والحقيقة التي يجب أن تقال بجرأة إعلامية هي أن الجلفة اليوم لا تزال تتنفس وتتحرك فقط بفضل “التدخلات الجراحية” والترقيعات الاستباقية التي يقوم بها السيد والي الولاية جهيد موس، الذي وجد نفسه مضطرا للعب دور “الإطفائي” ورئيس البلدية الفعلي في كثير من الأحيان، من خلال متابعته الميدانية اللصيقة للمشاريع القطاعية والبرنامج التكميلي الذي أقره رئيس الجمهورية، ولولا هذا الإشراف الولائي المباشر لكانت الجلفة اليوم في عالم آخر من العزلة والانهيار التام للمرفق العام، فالوالي يرمم ويواجه الميدان بكل ثقله، بينما المجلس البلدي غائب تماما عن المشهد، متمترسا خلف صراعات المصالح والامتيازات التي جعلت من “المير” ومحيطه يعيشون في برج عاجي، بعيدا عن أنين المواطن الذي ضاق ذرعا بوعود لا تسمن ولا تغني من جوع، وهو ما يطرح تساؤلات حارقة حول جدوى استمرار هذا الانسداد المعنوي وهذا العجز الإداري الذي يرهن مستقبل مدينة بحجم أمة، ويجعل من ذكرى تأسيسها محطة للألم والتحسر بدل أن تكون عيدا للنماء والازدهار.
لا تقتصر معاناة الجلفاوي على الانطباعات الذاتية، بل تترجم إلى مؤشرات ملموسة تضع المدينة في مأزق مقارنة صادم. فوفقا لتقرير المفتشية العامة للإدارة المحلية لسنة 2025، احتلت بلدية الجلفة المرتبة 41 من في مؤشر “النظافة الحضرية”، مع تسجيل معدل تأخير في جمع النفايات يبلغ 72 ساعة في بعض الأحياء (ضد 24 ساعة كمعدل وطني)، بينما حصلت بلدية بسكرة — التي تتشابه مع الجلفة في البنية الديموغرافية والجغرافية — على المرتبة 12 بفضل تبنيها لنظام “الجمع الذكي” عبر شاحنات مجهزة بتقنية تحديد المواقع. وفي مجال الإنارة العمومية، تشير إحصائيات مؤسسة “سونلغاز” إلى أن 38% من أعمدة الإنارة في الجلفة خارج الخدمة منذ أكثر من ستة أشهر، مقابل 12% فقط في قسنطينة التي أطلقت مشروع “الإنارة الذكية” عام 2023. أما في مؤشر “الاستجابة لشكاوى المواطنين”، فقد سجلت الجلفة نسبة معالجة لا تتجاوز 23% من الشكاوى المُودعة عبر المنصة الرقمية، بينما تجاوزت باتنة عتبة 85% بفضل تخصيص خلية استماع دائمة تعمل 24/24.
الفرق الجوهري لا يكمن في الميزانية — فميزانية بلدية الجلفة تفوق 3 مليارات دينار سنويا — بل في الرؤية التسييرية. فبلدية بسكرة، على سبيل المثال، أنشأت عام 2022 “وكالة بلدية للنظافة” مستقلة إداريا وماليا، ما مكنها من توظيف 200 عامل مؤهل واقتناء 15 شاحنة حديثة، بينما لا تزال الجلفة تعتمد على عقود مع مؤسسة خارجية دون رقابة فعالة. أما بلدية سطيف، فقد ربطت ترقيع الطرقات ببرنامج تهيئة متكامل يشمل تجديد شبكات الصرف الصحي والمياه، ما يجنبها تكرار الأشغال كل ستة أشهر — على عكس ما يحدث في الجلفة حيث يعاد تعبيد نفس الشارع ثلاث مرات في عام واحد دون معالجة الأسباب الجذرية للتلف. والسبب الأعمق يكمن في الشفافية: فبلدية قسنطينة نشرت على موقعها الإلكتروني تقريرا تفاعليا يظهر تقدم كل مشروع بلوني (أخضر = منجز، أصفر = جار، أحمر = متأخر)، بينما يغيب أي تقرير مماثل عن موقع بلدية الجلفة منذ أكثر من عامين.
الإنصاف الصحفي يقتضي الإشارة إلى أن بعض المشاريع تسير قدما بفضل التدخل الولائي المباشر، كبرنامج تعبيد شوارع حي البرج وحي الرياض الذي انطلق في فيفري 2026، لكن هذه الإنجازات — رغم أهميتها — تبقى جزر معزولة في بحر من التردي، ولا تشكل رؤية استراتيجية متكاملة تعيد للجلفة مكانتها كعاصمة هضاب عليا. فالتحدي الحقيقي ليس في إنجاز مشروع هنا أو هناك، بل في بناء نظام تسيير يضمن استمرارية الإنجاز بعد رحيل المسؤول، وهو ما تفتقده الجلفة اليوم تماما.
الجلفة مدينة تستحق أفضل من هذا الواقع. تاريخها العريق، موقعها الاستراتيجي، وثقلها الديموغرافي — كلها عوامل تؤهلها لأن تكون نموذجا للتنمية الحضرية في الجنوب الجزائري. لكن التحدي اليوم ليس تقنيا ولا ماليا، بل إداري وسياسي: كيف نخرج البلدية من دائرة الصراعات الداخلية إلى فضاء الخدمة العمومية؟ كيف نعيد الاعتبار للمواطن كشريك في صنع القرار، لا كمتلقي سلبي للخدمات؟ وكيف نضمن أن تدار الموارد العمومية بشفافية تامة ترضي الضمير قبل أن ترضي الجهات الرقابية؟
الإجابة تبدأ بـمساءلة سياسية حقيقية: فالمجلس الشعبي الولائي مطالب بتفعيل آلية الرقابة المنصوص عليها في القانون 11-10، عبر استدعاء رئيس البلدية لتقديم تقرير مفصل عن أسباب التأخر في المشاريع. كما أن وزارة الداخلية مدعوة إلى تفعيل المادة 95 من القانون المذكور التي تسمح بـ«عزل رئيس البلدية في حالة الإخلال الجسيم بواجبات المنصب». لكن الأهم من كل هذا: يقظة المواطن. فالصحافة المحلية — وعلى رأسها “الجلفة تي في” — ستواصل كشف الحقائق، لكن التغيير الحقيقي لن يتحقق إلا عندما يرفع الجلفاوي صوته جماعيا، ويذكر المسؤولين بأن السلطة تؤخذ ولا توهب، وأن الخدمة العمومية ليست امتيازا يمنح، بل واجبا يؤدى.
الجلفة ليست مجرد مدينة.. هي ذاكرة أمة، ووعود أجيال، وحلم شعب. فلا يليق بها أن تدار كمزرعة خاصة، بل كأمانة وطنية تؤدى إلى الله قبل أن تؤدى إلى الناس.

الجلفة تي في — نكشف الواقع بلا مواربة، ونحمي الأمل بلا وهم
الرئيس تبون يوجه رسالة للأمة بمناسبة ذكرى مظاهرات 11 ديسمبر 1960

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق