في قراءة سياسية تحمل الكثير من الدلالات، جاءت تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال لقائه مع ممثلي وسائل الإعلام لتعكس ملامح مرحلة جديدة تحاول الجزائر من خلالها تثبيت معادلة سياسية مختلفة قوامها القطع مع ممارسات الماضي وبناء مشهد مؤسساتي أكثر شفافية ومصداقية، حيث لم تكن رسائل الرئيس مجرد ردود ظرفية، بل بدت كإعلان واضح عن إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية في البلاد. فقد شدد تبون بلهجة حاسمة على أن الحديث عن التزوير الانتخابي أصبح من الماضي، معتبرًا أن إنشاء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات شكّل نقطة تحول مفصلية أعادت ضبط مسار العملية الانتخابية، من خلال تكريس مبدأ الفصل بين الإدارة والاقتراع، وهو ما يعكس، في العمق، رغبة السلطة في استعادة ثقة المواطن التي تآكلت لسنوات بسبب الشكوك التي كانت تحيط بالاستحقاقات الانتخابية.
ولم يكتفِ الرئيس بتأكيد هذا التحول، بل ذهب أبعد من ذلك حين وجه تحذيرات صريحة من محاولات التأثير على إرادة الناخبين، خاصة عبر المال الفاسد، في إشارة إلى أن الدولة تتجه نحو تشديد الرقابة وفرض عقوبات صارمة على كل من يسعى لشراء النفوذ السياسي، وهو طرح يعكس إدراكًا رسميًا بأن أحد أبرز اختلالات التجربة السياسية السابقة كان مرتبطًا بتغلغل المال في المسار الانتخابي، بما أفرز مؤسسات لا تعكس دائمًا التوازن الحقيقي داخل المجتمع. وفي هذا السياق، يظهر خطاب تبون كجزء من محاولة لإعادة تعريف الشرعية السياسية على أساس الكفاءة والتمثيل الفعلي بدل الولاءات الضيقة أو الإمكانيات المالية.
وفي محور لا يقل أهمية، برزت مسألة تمكين المرأة كأحد العناوين البارزة في تصريحات الرئيس، حيث دعا بشكل صريح إلى تجاوز ما وصفه بالأفكار الرجعية التي تعيق حضور المرأة في الحياة السياسية، مؤكدا أن الكفاءة تبقى المعيار الوحيد في تقلد المسؤوليات، بل وذهب إلى حد إبداء عدم ممانعته في تعيين امرأة في منصب الوزير الأول، وهو تصريح يحمل بعدًا رمزيًا وسياسيًا في آن واحد، يعكس توجهًا نحو إعادة التوازن داخل هرم السلطة وتعزيز مشاركة المرأة في صناعة القرار، خاصة في ظل التطورات التي يعرفها المجتمع الجزائري.
أما فيما يتعلق بالأحزاب السياسية، فقد قدم الرئيس قراءة نقدية لواقع التشكيلات الحزبية، معتبرًا أن قوتها تقاس بمدى حضورها في الميدان وقدرتها على كسب ثقة الناخبين، في إشارة واضحة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة فرز داخل الساحة السياسية، حيث لن يكون للوجود الشكلي أو الخطاب النظري وزن حقيقي دون ترجمة ذلك إلى نتائج انتخابية ملموسة، وهو ما يعكس توجهًا نحو ترسيخ منطق المنافسة السياسية القائمة على الفعالية لا على الامتيازات.
وفي سياق استحضار المسار السياسي للبلاد، خص الرئيس الحراك الشعبي لسنة 2019 بإشادة واضحة، معتبرًا إياه محطة مفصلية ساهمت في تصحيح مسار الدولة ووضعها على سكة جديدة، مع تأكيده في الوقت ذاته أن الجزائر لن تعود إلى مرحلة الفوضى أو الانزلاقات التي سبقت تلك الفترة، وهو موقف يعكس حرصًا على التوازن بين الاعتراف بدور الحراك كرافعة للتغيير، وبين التأكيد على استقرار مؤسسات الدولة كخط أحمر.
كما حملت تصريحات الرئيس بعدا دوليا لافتا، حين انتقد ما وصفه بازدواجية المعايير لدى بعض الدول التي تقدم نفسها كنماذج للديمقراطية، قائلا إن هناك دولا “تدعي أنها قدوة في الديمقراطية، لكنها تحاسب على مجرد رفع علم فلسطين أو نشر تغريدة في تويتر”، في إشارة تعكس تمسك الجزائر بمواقفها المبدئية في دعم القضايا العادلة وحرية التعبير، مع توجيه رسالة سياسية واضحة بشأن مفهوم الديمقراطية ومعاييرها في السياق الدولي.
كما برز في تصريحات الرئيس بعد إقليمي واقتصادي مهم، حين تطرق إلى ملف الطاقة داخل منظمة أوبك، مؤكدًا في رد واضح على تساؤل بخصوص انسحاب الإمارات العربية المتحدة أن الركيزة الأساسية للدول العربية داخل المنظمة تبقى المملكة العربية السعودية، مضيفًا بعبارة مختصرة لكنها ذات دلالة سياسية قوية “انتهى الخطاب وطوي الكتاب ونحن معهم”، في موقف يعكس تمسك الجزائر بخيار التنسيق العربي داخل المنظمة ودعم التوازنات القائمة في سوق الطاقة، في ظل تحولات دولية متسارعة تؤثر على أسعار وإمدادات النفط.
كما لم يغفل تبون الإشارة إلى أهمية الجالية الجزائرية في الخارج، معتبرا إياها امتدادا طبيعيًا للوزن السياسي الوطني وقوة مؤثرة يمكن أن تلعب دورًا أكبر في دعم المسار التنموي والسياسي، في دعوة ضمنية إلى إشراكها بشكل أوسع في مختلف الاستحقاقات، بما يعزز ارتباطها بالوطن ويستثمر في كفاءاتها وخبراتها.
في المجمل، تعكس تصريحات الرئيس تبون محاولة واضحة لإعادة صياغة المشهد السياسي في الجزائر وفق قواعد جديدة، عنوانها الأبرز الشفافية، ومحاربة الفساد، وتعزيز التمثيل الحقيقي، مع فتح المجال أمام فاعلين جدد، في إطار سعي لبناء مؤسسات أكثر مصداقية واستجابة لتطلعات المواطنين، وهي رسائل تبدو موجهة في آن واحد للداخل والخارج، مفادها أن الجزائر دخلت بالفعل مرحلة إعادة ترتيب عميقة لمنظومتها السياسية.
