الجلفة أونلاين

جدل واسع حول منح دراسة تهيئة ساحتي “محمد بوضياف” و”القدس” بالجلفة… جمعية المهندسين تدق ناقوس الخطر وتحذر من منطق “الأقل سعرا”

جدل واسع حول منح دراسة تهيئة ساحتي “محمد بوضياف” و”القدس” بالجلفة… جمعية المهندسين تدق ناقوس الخطر وتحذر من منطق “الأقل سعرا”

أثار إعلان المنح المؤقت الخاص بدراسة وإعادة تهيئة ساحتي “محمد بوضياف” و”القدس” بمدينة الجلفة موجة من التساؤلات والنقاش داخل الأوساط التقنية والعمرانية، بعد دخول جمعية المهندسين للبناء بالجلفة على الخط ببيان شديد اللهجة، اعتبرت فيه أن طريقة إسناد الدراسة تطرح إشكالات حقيقية تتعلق بجودة المشاريع الحضرية ومستقبل الفضاءات المركزية للمدينة.

البيان الصادر عن جمعية المهندسين للبناء بالجلفة، برئاسة الدكتور محمد السايحي، جاء عقب إعلان مديرية التعمير والهندسة المعمارية والبناء لولاية الجلفة عن المنح المؤقت للاستشارة رقم 14/2026، والمتعلقة بدراسة وإعادة تأهيل كل من ساحة محمد بوضياف وساحة القدس، بمبالغ مالية بلغت 654 ألف دينار بالنسبة للحصة الأولى، و261 ألف دينار للحصة الثانية، وفق معيار “أقل عرض مالي”.

ورغم أن المشروع يبدو في ظاهره مجرد دراسة تقنية لإعادة التهيئة، إلا أن الجمعية اعتبرت أن الأمر يتجاوز البعد الإداري والتقني الضيق، ليرتبط بصورة مدينة الجلفة وهويتها العمرانية، خاصة وأن الحديث يتعلق بفضاءات تعد من أهم المعالم الحضرية التي تشكل الواجهة المركزية للمدينة ومجالاً يومياً لحركية المواطنين والأنشطة التجارية والاجتماعية.

وسلط البيان الضوء على الأهمية الرمزية لساحة محمد بوضياف باعتبارها القلب الحضري للمدينة، والتي تمتد على مساحة تقارب ثلاثة هكتارات وتحتضن كثافة سكانية وتجارية معتبرة، إلى جانب احتضانها لأكبر مسجد بالمدينة، فيما ذكرت الجمعية بالقيمة التاريخية لساحة القدس، المرتبطة بالسوق المغطى العتيق الذي يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، ما يجعل أي تدخل عمراني بها يحتاج – حسب البيان – إلى رؤية دقيقة تحافظ على بعدها التاريخي والمعماري.

غير أن النقطة الأكثر حساسية في البيان تمثلت في انتقاد اعتماد “معيار الأقل سعرا” في اختيار مكتب الدراسات، حيث اعتبرت الجمعية أن هذا النوع من المشاريع لا يمكن اختزاله في الجانب المالي فقط، بل يجب أن يخضع لمعايير الكفاءة والخبرة والرؤية التقنية المتكاملة، لأن الدراسات الحضرية – بحسب البيان – ليست مجرد وثائق إدارية، بل تصورات استراتيجية تنعكس مباشرة على جمالية المدينة ووظائفها المستقبلية.

وترى الجمعية أن اللجوء إلى أقل عرض مالي قد يفتح الباب أمام دراسات سطحية أو حلول جاهزة لا تراعي خصوصية المكان، وقد يؤدي لاحقا إلى ظهور نقائص تقنية أثناء الإنجاز، تفرض تعديلات وصفقات تكميلية تثقل كاهل المال العام، وهو ما اعتبره متابعون تحذيراً غير مباشر من تكرار سيناريوهات مشاريع عمرانية سابقة عانت من ضعف التصور الأولي.

كما أثار البيان نقطة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بمدى التنسيق بين هذه الدراسات الجديدة وبين مراجعة مخطط شغل الأراضي POS 03، الذي تخضع له المنطقة منذ أكثر من سنة ونصف، خاصة وأن الدراسة المسندة سابقاً لمكتب دراسات عمومي من البلدية تضمنت بدورها مقترحات تخص تهيئة وإعادة تأهيل الساحتين، وهو ما يفتح باب التساؤل حول احتمال وجود تداخل في الدراسات أو غياب رؤية موحدة لتسيير المجال الحضري بمدينة الجلفة.

ويأتي هذا الجدل في وقت تعرف فيه مدينة الجلفة نقاشا متزايدا حول نوعية مشاريع التهيئة الحضرية ومدى انعكاسها الحقيقي على المشهد العمراني للمدينة، خاصة بعد سنوات من تسجيل تحفظات وانتقادات من مواطنين ومختصين بخصوص بعض المشاريع التي أُنجزت دون أن تحقق الإضافة الجمالية والتنظيمية المنتظرة.

ويرى متابعون أن إعادة تهيئة الساحات المركزية لا تتعلق فقط بتغيير الأرصفة أو إضافة بعض اللمسات الإسمنتية، بل ترتبط بصناعة فضاءات حضرية حديثة تحفظ ذاكرة المدينة وتوفر الراحة والجمالية للمواطن، مع احترام الخصوصية التاريخية والاجتماعية لكل موقع.

كما أعاد البيان إلى الواجهة ملف طريقة منح الدراسات والمشاريع العمومية، بين من يدافع عن منطق تقليص التكاليف واحترام الأغلفة المالية، وبين من يرى أن التركيز المفرط على “الأقل سعراً” قد يتحول في بعض الأحيان إلى مدخل لمشاريع ضعيفة الجودة تنعكس سلباً على صورة المدينة وعلى المال العام في آن واحد.

وفي لهجة تحمل الكثير من الرسائل السياسية والتقنية، أكدت الجمعية أن تهيئة ساحات وسط المدينة “ليست إجراءً إدارياً شكلياً”، بل مسؤولية عمرانية وحضارية تستوجب رؤية تليق بمدينة الجلفة وتطلعات سكانها، معلنة في الوقت نفسه أنها ستتابع الملف باهتمام بالغ، وسترفع انشغالاتها التقنية إلى الجهات الوصية والهيئات المختصة في إطار ما وصفته بالديمقراطية التشاركية وخدمة الصالح العام.

وفي انتظار ما ستسفر عنه هذه التحفظات التقنية، يبقى الشارع المحلي مترقباً لما إذا كانت الجهات المعنية ستفتح نقاشاً أوسع مع المختصين والفاعلين المحليين حول مستقبل التهيئة الحضرية بمدينة الجلفة، خاصة وأن الساحات العمومية تمثل الواجهة الحقيقية لأي مدينة وتعكس مستوى التخطيط والرؤية العمرانية المعتمدة بها.

ويبقى الرهان الأكبر اليوم، بحسب متابعين، ليس فقط في إنجاز مشاريع تهيئة جديدة، وإنما في ضمان أن تكون هذه المشاريع إضافة حقيقية للجلفة، تحفظ هويتها وتمنحها طابعاً عمرانياً يليق بمكانتها وتاريخها، بدل إعادة إنتاج مشاريع إسمنتية تفتقد للروح والبعد الجمالي الذي ينتظره المواطن من فضاءات يفترض أن تكون عنواناً للمدينة ومرآة لهويتها الحضارية.

المصدرالجلفة اونلاين
Exit mobile version