في الرياضة، الأرقام لا تكذب، لكنها لا تروي دائمًا القصة كاملة. وعندما يتعلق الأمر باختيار رياضيين لتمثيل الجزائر في محفل دولي، فإن السؤال لا يتوقف عند النتيجة التي حققها هذا العداء أو تلك العداءة، بل يمتد إلى المعايير التي بني عليها الاختيار، وكيف طبقت، وهل كانت واضحة وموحدة على الجميع.
من هنا تبرز قضية العداءة نور مريم قمان، ابنة ولاية الجلفة، التي حققت خلال موسم 2026 نتائج تجعل غيابها عن ألعاب البحر الأبيض المتوسط تارانتو 2026 موضوعًا يستحق التوضيح، ليس من باب المطالبة بمعاملة خاصة، وإنما من باب طرح سؤال مشروع: هل طبقت على قمان المعايير نفسها التي طبقت على بقية الرياضيين؟
في 20 ماي 2026، حققت قمان إنجازا لافتا بتحطيم الرقم القياسي الوطني في سباق 2000 متر موانع لفئة الكبريات، بعدما سجلت 6 دقائق و38 ثانية و04 أجزاء من المائة، محطمة الرقم السابق البالغ 6:49.00، والذي كان بحوزة العداءة سميرة لعثامنة منذ سنة 2006. وهو إنجاز حظي بتغطية وسائل إعلام وطنية.
وبعد أيام، واصلت العداءة مسارها التنافسي، حيث أعلنت وكالة الأنباء الجزائرية، في 25 ماي، تأهلها إلى منافسات 3000 متر موانع ضمن البطولة العربية لأقل من 23 سنة، عقب تحقيقها الحد الأدنى المطلوب خلال ملتقى دولي في بروكسل، بتوقيت قدره 10:28.93.
ثم جاءت البطولة العربية لألعاب القوى لأقل من 23 سنة بالإسماعيلية المصرية، لتضيف قمان نتيجة أخرى إلى سجلها، بعدما أنهت سباق 3000 متر موانع في المركز الثالث، محققة 10:26.50 ومتوجة بالميدالية البرونزية.
ثلاث محطات لافتة في موسم واحد: رقم قياسي وطني، تأهل وفق الحد الأدنى المطلوب لمنافسة عربية، ثم ميدالية برونزية عربية. ومع ذلك، عندما اتجهت الأنظار إلى قائمة المشاركين الجزائريين في ألعاب تارانتو، لم يظهر اسم نور مريم قمان ضمن الوفد.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا نطرحه كاتهام، وإنما كمطلب توضيح: لماذا غابت نور مريم قمان عن تارانتو؟
فسباق 3000 متر موانع للسيدات موجود ضمن برنامج ألعاب القوى في الدورة، وبالتالي فإن عدم المشاركة لا يمكن تفسيره بعدم وجود الاختصاص. كما أن الجزائر دخلت مرحلة التحضير للمشاركة في تارانتو من خلال اجتماعات تقنية وتنسيقية بين اللجنة الأولمبية والرياضية الجزائرية والاتحاديات المعنية، لمتابعة الجوانب الفنية والتنظيمية واللوجستية للوفد.
ومع الإعلان عن تركيبة الوفد الجزائري، يصبح السؤال أكثر تحديدا: ما هي المعايير التي اعتمدت لاختيار ممثلي ألعاب القوى؟ هل كان المعيار هو أفضل توقيت؟ أم تحقيق حد أدنى محدد؟ أم الترتيب الوطني؟ أم نتائج البطولة الوطنية؟ أم الترتيب الدولي؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى تتعلق بعدد المشاركين أو الاختيارات الفنية للاتحادية؟
وهنا يجب التفريق بين أمرين. تحطيم الرقم القياسي الوطني لا يعني تلقائيا أن صاحبه يتأهل إلى كل منافسة دولية، كما أن الحصول على ميدالية في بطولة عربية لا يمنح بالضرورة بطاقة آلية للمشاركة في دورة متوسطية. فمن الممكن أن يخضع اختيار الوفود إلى شروط فنية وتنظيمية متعددة، وإلى آجال محددة أو حصص للمشاركة أو معايير تضعها الجهة الفنية المختصة.
لكن إذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال يصبح أكثر أهمية: ما هي هذه المعايير؟ وهل كانت مكتوبة ومعلنة مسبقا؟ وهل طبقت بالطريقة نفسها على جميع الرياضيين؟
وهنا يظهر جانب آخر لا يمكن تجاهله، وهو الانتماء الجهوي. فكون نور مريم قمان تنحدر من ولاية الجلفة لا ينبغي، في حد ذاته، أن يكون سببا في منحها الأفضلية، كما لا يجوز أن يتحول إلى سبب في حرمانها من حقها الرياضي إذا كانت تستوفي الشروط نفسها التي استفاد منها رياضيون آخرون.
ولا نقول إن الانتماء إلى الجلفة كان سببا في استبعادها، لأن مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة لا تتوفر في المعطيات المنشورة. لكن من حق الرأي العام أن يسأل: هل حصلت قمان على المعاملة الفنية نفسها التي حصل عليها بقية الرياضيين؟ وهل طبقت عليها المعايير نفسها دون اعتبار للانتماء الجهوي؟
والفارق هنا كبير بين الاتهام وبين السؤال الصحفي. نحن لا نتحدث عن «عنصرية» أو «تمييز جهوي» كحقيقة ثابتة، وإنما نطالب بمعايير واضحة تسمح بإسقاط هذه الشبهة من أساسها. فإذا كانت القواعد واحدة على الجميع، فإن إعلانها وتوضيح كيفية تطبيقها كفيلان بإنهاء الجدل.
فالعدالة الرياضية لا تعني أن يختار الرياضي لأنه ينتمي إلى منطقة معينة، وإنما تعني أن يحصل الجميع على الفرصة نفسها، والمعيار نفسه، والتقييم نفسه، بغض النظر عن الولاية أو النادي أو أي اعتبار آخر خارج الجانب الرياضي.
وقد تكون لدى اللجنة الفنية أسباب موضوعية ومقنعة لعدم اختيار قمان. ربما توجد عداءة أخرى تتفوق عليها وفق معيار محدد، وربما كانت هناك قيود في عدد المشاركات، أو أن فترة التأهل أغلقت في تاريخ سابق، أو أن الاختيار اعتمد على معايير فنية لا تظهر في البيانات المنشورة.
كل ذلك ممكن، ولا يجوز استبعاد أي احتمال قبل سماع الجهة المعنية.
لكن ما لا ينبغي أن يبقى هو الفراغ في المعلومة.
لأن القضية لا تتعلق بعداءة لم تحقق نتائج، ولا بمطالبة بمقعد رياضي على أساس الانتماء إلى الجلفة. إنها تتعلق برياضية حققت خلال موسم واحد رقما وطنيا جديدا، وتأهلت إلى منافسة عربية وفق الحد الأدنى المطلوب، ثم صعدت إلى منصة التتويج العربية. لذلك فإن معرفة سبب غيابها ليست مطالبة بامتياز، وإنما سؤال تفرضه النتائج نفسها.
والأمر هنا يتجاوز نور مريم قمان. فوضوح معايير الاختيار يحمي الرياضي والمدرب والاتحادية واللجنة الفنية في الوقت نفسه. الرياضي الذي يعرف مسبقا ما المطلوب منه يستطيع أن يعمل وفق هدف واضح، أما عندما تبقى المعايير غامضة، فإن أي قرار، حتى وإن كان مبنيًا على اعتبارات فنية صحيحة، قد يفتح بابًا واسعًا للتأويل.
ومن هنا، فإن الجلفة لا تطالب بالمجاملة، ولا تريد تحويل القضية إلى مواجهة جهوية مع بقية ولايات الوطن. المطلوب أبسط من ذلك: تفسير رياضي واضح.
هل استوفت نور مريم قمان شروط المشاركة في تارانتو أم لا؟ وإذا لم تستوفها، فما الشرط الذي حال دون اختيارها؟ وإذا كانت هناك رياضيات أخريات تفوقن عليها وفق معيار رسمي، فما هو هذا المعيار؟ وهل تم تطبيقه بالطريقة نفسها على الجميع؟ وهل كان الانتماء الجهوي بعيدًا تمامًا عن عملية الاختيار؟
هذه أسئلة يمكن للجهات المختصة الإجابة عنها بوضوح، وبذلك تغلق مساحة واسعة من الجدل.
فالرياضة لا تدار بالعاطفة، ولا ينبغي أن تدار بالمجاملة، لكنها كذلك لا تستقيم بالغموض. المعيار الواضح يحمي الجميع، والمعيار الموحد هو أفضل رد على أي حديث عن التمييز أو المحاباة.
وفي هذه القضية تحديدًا، فإن نشر معايير الاختيار لا يعني التشكيك في نزاهة الاتحادية أو اللجنة الفنية، بل يمثل ممارسة طبيعية للشفافية الرياضية. فإذا كان استبعاد قمان قد تم وفق معيار فني واضح، فإن شرحه للرأي العام سيضع حدًا للتساؤلات. وإذا كان هناك شرط لم تستوفه العداءة، فمن حقها ومن حق المتابعين معرفته. وإذا كانت نتائج رياضيات أخريات تمنحهن الأولوية وفق القواعد المعتمدة، فمن الطبيعي أن يكون ذلك واضحًا أيضًا.
نور مريم قمان حققت ما يستحق التوقف عنده: رقمًا وطنيًا، وتأهلا عربيا، وميدالية برونزية. وهذه النتائج لا تمنحها بالضرورة بطاقة تلقائية إلى تارانتو، لكنها تمنحها وللرأي العام الرياضي حقًا مشروعًا في السؤال عن سبب الغياب.
في النهاية، القضية ليست في أن تكون قمان من الجلفة، ولا في أن تكون من أي ولاية أخرى. القضية في أن تكون القواعد واحدة عندما يتعلق الأمر بتمثيل الجزائر.
ولهذا تضع الجلفة أونلاين هذا الملف أمام الجهات الرياضية المختصة، وعلى رأسها الاتحادية الجزائرية لألعاب القوى واللجنة الأولمبية والرياضية الجزائرية والجهات الفنية المعنية، وتطرح سؤالًا واضحًا لا يحمل حكمًا مسبقًا:
ما هو المعيار الذي حال دون وجود نور مريم قمان ضمن الوفد الجزائري إلى تارانتو 2026؟ وهل طُبقت عليها المعايير نفسها التي طُبقت على بقية الرياضيين؟
وللجهات المعنية كامل الحق في الرد والتوضيح، لأن الهدف من هذا التحقيق ليس إصدار حكم مسبق أو توجيه اتهام إلى أي طرف، وإنما البحث عن إجابة واضحة حول قرار يمس مسيرة رياضية شابة حققت نتائج موثقة خلال موسم 2026.
في الرياضة، قد يخسر الرياضي سباقا في جزء من الثانية، لكن لا ينبغي أن يخسر حقه في معرفة لماذا لم يمنح فرصة خوض السباق أصلا.
