تعيش مديرية الخدمات الجامعية بالجلفة منذ فترة حالة توتر غير مسبوقة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن صراع أعمق يدور في كواليس التسيير الإداري، حيث تداخلت المصالح، وتشابكت الحسابات، وبرزت مؤشرات قوية على وجود محاولات ممنهجة لإرباك الإدارة الحالية وإفشالها قبل أن تترسخ خطوات الإصلاح التي باشرتها.
منذ تعيين المديرة الجديدة للخدمات الجامعية، بدا واضحا أن نهج التسيير تغير. قرارات وصفت داخل القطاع بغير المسبوقة، شملت إعادة ترتيب هياكل الإقامات الجامعية، إنهاء حالة الجمود في بعض المناصب، وضبط طرق العمل التي ظلت لسنوات محل انتقاد صامت من داخل القطاع نفسه. هذه الإجراءات، ورغم طابعها الإداري البحت، مست مباشرة شبكات مصالح اعتادت العمل في مناطق رمادية، حيث تختلط “الخدمة” بالمحاباة، والصفقات بالروتين المفصّل على مقاس أطراف بعينها.
مصادر متطابقة أكدت أن ملفات قديمة أعيد فتحها بهدوء، وأن ممارسات كانت تعتبر “أمرا واقعا” أصبحت فجأة محل مراجعة، وهو ما لم تستسغه أطراف استفادت طويلا من غياب الرقابة الصارمة. هنا بالضبط بدأت ملامح المواجهة تظهر، ليس في شكل اعتراض إداري رسمي، بل عبر مسارات موازية: حملات تشكيك، تسريبات انتقائية، ومحاولات خلق صورة قاتمة عن واقع الخدمات، تضخم الأخطاء وتفرغ القرارات من سياقها.
اللافت في هذه الحملة أنها لم تأخذ شكل نقاش مؤسساتي أو مراسلات قانونية، بل انتقلت سريعًا إلى الفضاء الافتراضي، حيث استُخدمت منصات التواصل الاجتماعي كأداة ضغط، عبر منشورات متزامنة، ومضامين متشابهة، تستهدف شخص المديرة أكثر مما تناقش القرارات. خطاب يوحي بأن الأزمة “عفوية”، بينما تتقاطع التوقيتات والرسائل بطريقة تثير أكثر من علامة استفهام.
بلغ هذا التصعيد ذروته مؤخرا، عندما أقدمت مجموعة محدودة من الطلبة على غلق مطعم إحدى الإقامات الجامعية، ومنع العمال من الدخول، وافتعال احتكاكات مع أعوان الأمن. مشاهد جرى توثيقها بسرعة، في محاولة واضحة لتقديمها كدليل على “انهيار” التسيير، في سيناريو بدا معدا سلفا لإرساله إلى الجهات الوصية باعتباره حالة فشل ميداني. غير أن تطورات القضية كشفت أن الأمر لم يكن احتجاجا طلابيا تقليديا، بل حادثة تم التعامل معها إداريا وقانونيا، حيث أعيد فتح المطعم في وقت وجيز، وتحولت القضية إلى مسار قانوني بدل أن تتحول إلى أزمة مفتوحة.
ما زاد من تعقيد المشهد هو تداول معطيات، على نطاق واسع داخل أوساط القطاع، عن وجود أطراف تتحرك من خارج الولاية، يقال إنها تتابع الوضع عن كثب، وتسعى – عبر قنوات غير مباشرة – إلى تعميق حالة الارتباك. مصادر غير رسمية تحدثت عن مسؤول بإحدى الولايات، يعتقد أنه يطمح إلى تولي منصب مماثل بالجلفة، ويرى في إضعاف الإدارة الحالية فرصة سانحة لإعادة خلط الأوراق. ورغم غياب أي تأكيد رسمي لهذه المعطيات، إلا أن تكرارها في أكثر من مصدر يطرح تساؤلات مشروعة حول خلفيات ما يجري.
في قلب هذه الصورة المعقدة، يبرز سؤال جوهري: هل ما تعيشه الخدمات الجامعية بالجلفة أزمة تسيير حقيقية، أم أنها مقاومة منظمة للتغيير؟ المؤشرات المتوفرة توحي بأن جزءا كبيرا من الضجيج الحالي مرتبط بإعادة ترتيب المصالح، أكثر من ارتباطه بانشغالات الطلبة الفعلية، التي يفترض أن تبقى جوهر أي نقاش.
الأكيد أن قطاع الخدمات الجامعية، بحساسيته الاجتماعية وتأثيره المباشر على آلاف الطلبة، ظل لسنوات بيئة خصبة لتغلغل ممارسات غير شفافة، وأن أي محاولة لكسر هذه الحلقة ستواجه تلقائيا بردود فعل متفاوتة الشدة. غير أن تحويل الصراع الإداري إلى فوضى مفتعلة، واستعمال الطلبة كورقة ضغط، يضع الجميع أمام مسؤوليات أخلاقية وقانونية.
اليوم، وبينما تتواصل الحملات في العلن والهمس في الكواليس، تبقى الحقيقة الأهم أن ما يجري في الجلفة ليس مجرد خلاف عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة الإدارة العمومية على حماية مسار الإصلاح من لوبيات “الوجبات” السريعة، التي اعتادت اقتسام الكعكة في صمت، وتجيد نصب الأفخاخ كلما شعرت بأن نفوذها مهدد.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ستُترك هذه اللوبيات لتعيد عقارب الساعة إلى الوراء، أم أن ما بدأ كإصلاح إداري سيتحول إلى معركة شفافية تُكتب نتائجها هذه المرة أمام الجميع؟