انطلقت الطبعة الخامسة من تظاهرة «فارس الإنشاد» من عين وسارة تحت رعاية مشتركة بين مديريتي الشؤون الدينية والثقافة، حاملة شعارًا جذابا: “اكتشاف المواهب الشابة في الإنشاد والمديح الديني”. غير أن الصورة التي التُقطت في البرايم الثاني داخل قاعة سينما الكواكب كانت كافية لقلب المعادلة: كراسٍ شاغرة أكثر من الحضور، فتور في التفاعل، وصمت ثقيل يطرح سؤالًا مؤلما: كيف تصل تظاهرة إلى عامها الخامس دون أن تنجح في صناعة جمهورها؟
المشهد لم يكن عابرًا أو ظرفيا. خمس سنوات من التنظيم تعني أن الحدث تجاوز مرحلة “التجربة”، وكان يفترض أن يبلغ مرحلة النضج المؤسساتي والجماهيري. لكن الواقع الميداني عكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والاهتمام الشعبي. في مدينة بحجم عاصمة الولاية، ذات مخزون ديني وروحي معروف، يصبح عزوف الجمهور مؤشرا على خلل عميق، لا يمكن اختزاله في ضعف الترويج أو سوء توقيت فقط، بل في غياب رؤية متكاملة لإدارة مشروع ثقافي طويل المدى.
اللافت أيضًا في هذه الطبعة هو انكماش الجغرافيا بشكل غير مبرر. ولاية تضم 36 بلدية اختُزلت المنافسة فيها إلى ثلاث نقاط فقط: الجلفة، عين وسارة، ومسعد. هذا القرار، دون توضيح رسمي للرأي العام، يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في العمق. ماذا عن أم العظام؟ سد رحال؟ قطارة؟ الإدريسية؟ هل جفت المواهب في هذه المناطق، أم أن اعتبارات لوجستية ومالية فرضت تقليص الطموح؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين التقرير الذي يشرح أسباب التحول بعد سنوات من الحديث عن “قافلة تجوب تراب الولاية”؟
المسألة لا تقف عند الجغرافيا. التمويل العمومي للتظاهرة يفتح بابًا آخر للنقاش المشروع. القانون 11-10 المتعلق بتنظيم الولاية ينص بوضوح على مبدأ ربط النفقة بالنتيجة. لكن حتى اللحظة، لا تتوفر معطيات منشورة للرأي العام حول حجم الميزانية السنوية المخصصة لـ«فارس الإنشاد»، ولا كيفية توزيعها بين الجوانب التنظيمية واللوجستية والجوائز والتأطير. في المقابل، الصورة الوحيدة المتاحة للمتابع هي قاعة شبه فارغة. هنا يتحول السؤال من ثقافي إلى مالي: كم كلّف هذا البرايم؟ وكم كان عدد الحضور الفعلي؟ وما هي كلفة المقعد الشاغر من المال العام؟
في سياق متصل، يتكرر حضور نفس الأسماء تقريبا في لجان التنظيم والتحكيم عبر عدة طبعات متتالية. ورغم أن القانون لا يمنع إعادة الاستعانة بكفاءات سابقة، إلا أن مبادئ الحوكمة الثقافية الحديثة تقوم على التداول، الشفافية، وتوسيع دائرة المشاركة. غياب دعوات مفتوحة ودفاتر شروط معلنة يرسخ الانطباع بوجود دائرة مغلقة تدير الحدث بمنطق الاستمرارية الإدارية لا التجديد الإبداعي. ومع مرور الوقت، يتحول الركود إلى نتيجة حتمية.
الأهم من ذلك كله هو سؤال الأثر. بعد أربع طبعات كاملة، كم فائز استطاع أن يشق طريقه نحو الاحتراف؟ كم عمل فني احترافي خرج إلى السوق باسم “خريج فارس الإنشاد”؟ كم مشاركة وطنية بارزة تحققت بدعم مباشر من التظاهرة؟ لا تتوفر معطيات واضحة. وإذا كان الهدف هو “اكتشاف المواهب”، فإن الاكتشاف لا يكتمل دون احتضان ومرافقة وتوجيه إنتاجي. التصفيق ليلة النهائي لا يصنع مسارًا فنيًا، واللقب وحده لا يفتح أبواب الاحتراف.
إلى جانب ذلك، يبرز عامل الترويج الإعلامي كحلقة ضعيفة. في عصر المنصات الرقمية، لا يكفي تعليق ملصق أو نشر بيان رسمي لضمان الحضور. أين الحملات الرقمية؟ أين الفيديوهات التعريفية بالمترشحين؟ أين التفاعل المسبق الذي يحوّل المسابقة إلى حديث الشارع؟ الحدث الثقافي اليوم يُصنع في الفضاء الرقمي قبل أن يُعرض على الخشبة. وعندما يغيب هذا البعد، تتحول القاعة إلى مرآة صادقة لضعف الاستراتيجية التواصلية.
كل هذه المعطيات لا تعني التقليل من قيمة الفكرة في حد ذاتها. «فارس الإنشاد» كمفهوم يمكن أن يكون منصة حقيقية لإبراز الطاقات الروحية في ولاية تزخر بالمواهب. لكن الفكرة وحدها لا تكفي. ما ينقص هو التقييم المستقل، نشر التقارير المالية، قياس مؤشرات الأداء، وإعادة النظر في نمط التسيير. الشفافية ليست تشكيكًا في النوايا، بل ضمانة لاستمرار المشروع على أسس سليمة.
القاعة الفارغة في قاعة سينما الكواكب ليست تفصيلا هامشيا في حدث ثقافي، بل رسالة واضحة. رسالة تقول إن هناك فجوة بين الإدارة والجمهور، بين التمويل والنتيجة، وبين الشعار والواقع. الجلفة لا تحتاج تظاهرات موسمية تُلتقط لها الصور، بل تحتاج مشاريع ثقافية مستدامة تقيس نجاحها بالأثر لا بعدد البرايمات.
تبقى الكرة اليوم في ملعب الجهات الوصية: نشر تقارير مفصلة عن خمس سنوات من التمويل، فتح المجال لكفاءات جديدة، توسيع الجغرافيا، وإطلاق برنامج احتضان حقيقي للفائزين. فالثقافة مسؤولية، والمال العام أمانة، والجمهور حكم لا يخطئ عندما يختار أن يترك الكرسي فارغا.
