في قلب دار الشيوخ، تتكشف فضيحة صادمة تهز الثقة في المرفق العمومي: حي كامل يُترك عطشانًا لأسابيع في عزّ الصيف، بينما أحياء مجاورة تنعم بالماء لساعات طويلة. التحقيق يكشف خيوط تلاعب متعمد في توزيع الحصص وتواطؤًا بالصمت من مسؤولين كان يفترض أن يتحركوا فورًا، لكنهم اختاروا تجاهل صرخات السكان ومعاناتهم. فما السر وراء هذا الظلم الممنهج؟ ومن يمنح نفسه الحق في معاقبة حي بأكمله بالعطش؟ ، يعيش حي 90 سكن مأساة حقيقية لا تليق بعصرنا ولا بمكانة الجزائر التي تتحدث عن استثمارات ضخمة في السدود والمشاريع المائية. سكان هذا الحي، الذي كان الماء يصلهم قبل الصيف كل أربعة أيام في الخامسة مساء بشكل منتظم، صاروا اليوم يعيشون على وقع عطش تام، حيث انقطعت المياه بشكل كامل منذ أسابيع، بينما أحياء أخرى لا تبعد سوى مئات الأمتار تتنعم بتوزيع منتظم كل ثلاثة أيام ولمدة تصل أحيانًا إلى أكثر من 12 ساعة متواصلة. المفارقة الصارخة بين الأحياء تطرح تساؤلات كبيرة، لا عن عطب تقني عابر، بل عن تلاعب ممنهج في توزيع الحصص، وكأن هناك من يقرر يدويًا من يشرب ومن يُترك عطشانًا.
ما زاد من حدة الغضب الشعبي أن رئيس فرع الجزائرية للمياه بدار الشيوخ على علم كامل بهذه الأزمة منذ بدايتها، لكنه لم يتحرك إطلاقًا ولم يقدم أي توضيح رسمي يبرر هذا الانقطاع الطويل، وكأن حق سكان حي 90 في الماء أمر ثانوي أو غير ذي أهمية.
الأمر الأكثر استفزازًا هو موقف رئيس الدائرة، الذي رغم علمه الكامل بالأزمة وتلقيه تقارير عنها، لم يحرك ساكنًا ولم يُبدِ أي تفاعل حقيقي مع الوضع. والأسوأ من ذلك، أنه تجاهل ما نشرناه في مقالات سابقة حول هذه الكارثة، ولم يُعر الإعلام أي أهمية، في تصرف يعكس استخفافًا بمعاناة السكان، وكأن صوت الإعلام والمواطنين لا يعنيه في شيء. بل تجاوز الأمر حدود اللامبالاة، إذ طالب رئيس الدائرة السكان بتقديم شكوى رسمية موقعة وبأسمائهم، وكأن الحصول على الماء صار امتيازًا يحتاج إلى ملفات وإجراءات بيروقراطية بدل أن يكون حقًا مكفولًا لكل مواطن. هذا الموقف أثار استياءً واسعًا لدى السكان الذين رأوا فيه إهانة واضحة، إذ كيف يعقل أن ينتظر المسؤول شكاوى فردية مكتوبة بينما الأزمة معلنة ومعروفة للجميع؟
السكان، الذين ضاقت صدورهم بالصبر، يرون أن ما يحدث ليس مجرد إهمال عابر أو سوء تسيير
آخر أضاف بنبرة غاضبة: “الأمر لم يعد صدفة أو خللًا فنيًا، بدليل أن أحياء أخرى قريبة جدًا منا يصلها الماء بشكل طبيعي ودون أي انقطاع. نحن محرومون من حقنا في الحياة، ولا أحد يشرح لنا لماذا. إذا كان هناك عطب، لماذا لا يتم إصلاحه؟ وإذا لم يكن هناك عطب، فمن المسؤول عن هذا الظلم؟” الأزمة بلغت ذروتها في هذه الفترة الحساسة من الصيف، حيث الحاجة القصوى للماء من أجل النظافة والاستهلاك اليومي، بل حتى أبسط الاحتياجات الإنسانية. لكن بدل أن تتحرك السلطات المحلية بشكل استعجالي لتوفير صهاريج أو وضع خطة طوارئ، اختارت الصمت المطبق، وكأن سكان هذا الحي لا وجود لهم.
هذه الأزمة لم تعد مجرد حرمان مؤقت من الماء، بل تحولت إلى رمز لفشل إداري ممنهج وإلى فضيحة تسيير مكشوفة. كيف يعقل أن حيًا كاملًا يُترك عطشانًا لأسابيع بينما الماء متوفر في أحياء أخرى؟ ولماذا لا تتم إعادة برمجة الحصص لتشمل الجميع بشكل عادل؟ وهل وصل بنا الحال إلى أن يكون الحصول على الماء رهين علاقات أو تدخلات شخصية أو تفضيلات إدارية ضيقة؟
سكان حي 90 لم يعودوا يطالبون فقط بعودة الماء، بل بمحاسبة المسؤولين المباشرين عن هذا الوضع المأساوي. فالصمت الذي يلتزمه رئيس فرع الجزائرية للمياه ورئيس الدائرة لم يعد مبررًا، بل هو تواطؤ بالصمت على أزمة إنسانية حقيقية. هؤلاء السكان اليوم يرفعون صوتهم عاليًا ويوجهون نداءً صريحًا إلى والي ولاية الجلفة ومدير الجزائرية للمياه للتدخل الفوري وفتح تحقيق عاجل وشفاف يكشف حقيقة ما يجري في دار الشيوخ.
الأمر تجاوز سؤال “متى يعود الماء؟”، فالناس في هذا الحي يعرفون أن الماء يمكن أن يعود في أي لحظة إذا توفرت الإرادة، لكن السؤال الأكبر والأخطر هو: من يتحكم فعلًا في هذه الحصص؟ ومن أعطى لنفسه الحق في معاقبة حي كامل بالعطش