الجلفة أونلاين

قراءة في أجندة وزير التربية بالجلفة: هندسة بروتوكولية تختزل انشغالات قطاع ينزف في “زيارة الـ 210 دقائق”!

يكشف التدقيق الفاحش في تفاصيل ومحطات “البرنامج المقترح لزيارة وزير التربية الوطنية لولاية الجلفة” عن استمرار السقوط في فخ التغطيات المناسباتية والزيارات الاستعراضية التي تُهندس بعناية داخل الصالونات الإدارية، بعيداً عن ملامسة التحديات والمشاكل الهيكلية العميقة التي يئن تحت وطأتها القطاع في واحدة من أكبر ولايات الوطن تعداداً وجغرافيا.

إن أول ما يصدم المتابع في هذا المخطط هو التناقض الصارخ بين حجم قطاع التربية بولاية الجلفة — الذي يضم مئات الآلاف من التلاميذ ويواجه ملفات حارقة — وبين “الوعاء الزمني الضيق” المخصص للعمل الميداني الفعلي. فإذا استثنينا دقة الاستقبال البروتوكولي الفخم المبرمج مساء الإثنين بمقر الإقامة الرسمية للولاية، نجد أن الأجندة الميدانية الحقيقية ليوم الثلاثاء تبدأ في تمام الساعة السابعة والنصف صباحا وتنتهي رسميا قبل منتصف النهار، وتحديدا في الساعة الحادية عشرة صباحا. ثلاث ساعات ونصف فقط (210 دقائق) هي كل ما جادت به مصالح ديوان الولاية والوزارة المعنية لمعاينة واقع القطاع؛ وهو حيز زمني لا يكفي إطلاقاً للوقوف على معضلات الاكتظاظ الخانق بالأقسام، أو النبش في ملفات التدفئة المدرسية والمطاعم الباردة والترميمات المعطلة التي تؤرق أولياء التلاميذ والأسرة التربوية في عاصمة السهوب.

هذا الضيق الزمني المتعمد تم استهلاكه بطريقة لافتة في بروتوكولات تنظيمية مستغلة تزامنا مع امتحانات شهادة التعليم المتوسط دورة 2026. حيث حصرت الفترة الممتدة من الساعة 07:30 إلى 08:40 صباحاً بالكامل داخل أسوار ثانوية “بن الضيف الحفناوي” بعاصمة الولاية، ما بين عرض موجز لمدير التربية المحلي، وتقديم بطاقة فنية، وزيارة مطعم وعيادة مركز الإجراء، وصولا إلى الإشراف على فتح أظرفة المواضيع. إنها تفاصيل تنظيمية وإجرائية بحتة تديرها عادةً مديرية التربية محلياً بكفاءة، ولا تقتضي رهن وقت المسؤول الأول عن القطاع في محطة استعراضية تأخذ نصيب الأسد من توقيت زيارته، بدلاً من النزول إلى الأحياء الساخنة التي تشهد كثافة سكانية رهيبة ومؤسسات تربوية تعيش على وقع الغليان.

ويمتد التوجيه البروتوكولي المسبق ليحكم قبضته على “اللقاء الصحفي” المبرمج على الساعة 08:40 صباحا، والذي حدد مكانه في “بهو مركز الإجراء” وبأشواط زمنية مضغوطة جدا (15 دقيقة فقط تفصله عن المحطة الموالية). هذا الاختيار للمكان والتوقيت يخدم مباشرة سياسة التغطيات الموجهة والمغلفة؛ إذ يصعب في مثل هذه الظروف المشحونة بحركية الامتحانات وبحضور الأبواق المهادنة طرح الأسئلة الجادة والحارقة التي تنتظرها الساحة المحلية حول المشاريع المجمدة والمطاعم المعطلة بكبريات البلديات.

وحتى في الجانب الخاص بالهياكل الجديدة، فإن برمجة وضع حجر الأساس لمتوسطة بحي 05 جويلية وزيارة ورشة أشغال ثانوية بحي بحرارة (بمعدل ربع ساعة إلى نصف ساعة لكل محطة) تعكس عقلية المرور السريع؛ فالمعاينة الحقيقية للأشغال لا تتم بالتقاط صور خاطفة مع وضع حجر الأساس، بل بمساءلة المقاولين ومحاسبة الأطراف المتسببة في تماطل المشاريع وتأخر تسليم المؤسسات التربوية في مواعيدها المحددة.

المفارقة الختامية للزيارة تظهر عند التوجه إلى الدائرة الشمالية الكبرى “عين وسارة”، حيث تم اختزال هذه المنطقة التنموية في نقطة واحدة عابرة ببلدية حد الصحاري على الساعة 10:30 صباحاً لتدشين مدرسة ابتدائية، قبل إعلان نهاية الزيارة رسمياً بعد نصف ساعة فقط. هذا المرور الخاطف على أطراف الخارطة الشمالية يثبت غياب أي نية حقيقية لتفقد التجمعات السكانية الكبرى بالدائرة والتي تشهد مؤسساتها تدهوراً في البنية التحتية واكتظاظاً رهيباً، مفضلين محطة منتقاة وجاهزة ومزينة لا تشوبها المفاجآت.

إن هذا التحليل المعمق للبرنامج يؤكد أن مصالح ولاية الجلفة حرصت على هندسة “زيارة هادئة وبروتوكولية بامتياز”، خالية من أي احتكاك حقيقي مع انشغالات المواطنين الميدانية أو نقابات القطاع والأسرة التربوية. ويبقى المواطن الجلفاوي في النهاية يتطلع إلى زيارات تفقدية فجائية وصارمة تلامس الواقع العاري للمؤسسات، بعيداً عن سيناريوهات الصالونات المزوقة التي تكتفي بتسويق صور تذكارية لا تسمن ولا تغني من جوع التنمية.

Exit mobile version