الجلفة أونلاين

كلية الطب بالجلفة.. بين طموح الترقية وتحديات الواقع البيداغوجي المأزوم

بقلم: هيئة التحرير — مجمع الجلفة أونلاين / الجلفة

في كل مرة يطرح فيها ملف ترقية ملحقة الطب بالجلفة إلى كلية مستقلة، يتجدد الجدل بين خطاب رسمي يتحدث عن “مكسب تاريخي للولاية” وصوت طلابي يصر على أن الواقع الميداني لم يبلغ بعد الحد الأدنى من الجاهزية الذي يؤهل مؤسسة لتكوين أطباء المستقبل. بين الحلم المشروع بامتلاك كلية طب كاملة الصلاحيات، والوقائع اليومية داخل المدرجات والمصالح الاستشفائية، تتشكل قصة تستحق مقاربة استقصائية هادئة تضع الأسئلة في مكانها الصحيح: هل القرار مبني على تقييم موضوعي شامل؟ وهل استوفيت الشروط العلمية والبيداغوجية قبل الحديث عن الترقية؟ الطلبة، في بيانات وتصريحات متداولة، لا يعلنون رفضهم لفكرة الكلية في حد ذاتها، بل يرفضون ـ كما يقولون ـ “الوعود غير المجسدة على أرض الواقع”. هم يؤكدون أن التكوين الطبي ليس شعارا يرفع ولا لوحة تعلق على واجهة مبنى، بل مسؤولية ثقيلة تبدأ من توفر تأطير أكاديمي قارّ، وتمر عبر بنية تحتية مجهزة، وتنتهي عند قاعدة استشفائية جامعية فعالة تضمن تكوينًا سريريًا حقيقيا، فدون هذه السلسلة المتكاملة، يصبح الاسم أكبر من المضمون. وأولى الإشكالات التي يثيرها الطلبة تتعلق بغياب مستشفى جامعي مؤهل يكون الحاضنة الطبيعية للتكوين السريري، فالمعروف أن كليات الطب تقوم، في جوهرها، على علاقة عضوية بين الجامعة والمستشفى، حيث يتحول الطالب من متلقٍ نظري إلى ممارس تحت الإشراف، وفي حالة ملحقة الجلفة، يتحدث الطلبة عن صعوبات في ضمان تربصات مستقرة، وعن رفض استقبالهم أحيانا في بعض المصالح، ما يجعل التكوين الميداني متذبذبا وغير منظم، ويطرحون سؤالا مباشرا: كيف يمكن الحديث عن كلية طب دون قاعدة استشفائية جامعية واضحة المعالم والآجال؟ ويزداد المشهد تعقيداً مع بروز لغة إدارية جديدة تحاول القفز على هذه الحقائق الميدانية، حيث يتم تداول تطمينات رسمية تشير إلى أن إجراءات الترقية استوفت شروطها ‘مبدئيا’ وأنها حبيسة الأمانة العامة للحكومة، غير أن أكثر ما يثير الريبة في هذا الخطاب هو اعتبار المستشفى الجامعي مجرد ‘تحصيل حاصل’ سيعقب القرار الإداري، وهو ما يراه المختصون والطلبة على حد سواء قلبا للمفاهيم العلمية؛ فالمستشفى الجامعي في تخصص الطب هو ‘المختبر الأساسي’ والشرط المسبق للوجود، وليس ملحقا ثانويا يترك للصدفة أو للآجال المفتوحة التي قد تمتد لسنوات، بينما يظل الطالب اليوم عرضة للتهميش في مصالح استشفائية لا تعترف حتى بصفته كمتربص. المسألة الثانية تتعلق بالتأطير الأكاديمي، حيث تشير شهادات متكررة إلى نقص في عدد الأساتذة الدائمين في بعض المقاييس الأساسية، وإلى اللجوء أحيانا إلى التدريس عن بعد أو إلى أطباء متطوعين لسد الفراغ، ورغم تقديرهم للجهود الفردية، يؤكد الطلبة أن الطب تخصص تراكمي يقوم على متابعة دقيقة وتفاعل مباشر مع الأستاذ، لا سيما في السنوات الأولى التي تُبنى فيها القاعدة العلمية للطبيب، فالاعتماد على حلول ظرفية لا يضمن استقرارًا بيداغوجيًا طويل المدى. أما البنية التحتية، فهي بدورها محور جدل، إذ يتساءل الطلبة عما إذا كانت الملحقة تتوفر فعلا على مبنى مستقل يضم السنوات الثلاث في ظروف ملائمة، ومخابر تطبيقية مجهزة، وفضاءات تتماشى مع متطلبات تكوين طبي حديث، ولا يتوقف الأمر عند غياب الهوية البيداغوجية، بل يصل إلى تفاصيل هندسية صادمة؛ فالمبنى الذي يروج له كحضن للكلية العتيدة (مبنى كلية الأرض والكون سابقا) تحول في نظر الطلبة إلى رمز لـ ‘الترقيع الإداري’، فهم يتحدثون بمرارة عن هيكل متهالك يعجز عن صد مياه الأمطار التي تبلل مدرجات أطباء المستقبل، في مفارقة ساخرة بين

‘فخامة الاسم’ المنشور في الجرائد الرسمية وبين ‘بؤس الواقع’ المتمثل في انعدام مخابر حقيقية، ما يجعل تجربة الدراسة في الملحقة حالياً أشبه بمحاولة لبناء ناطحة سحاب على رمال متحركة. إن البعد الأكثر حساسية في الملف هو الفجوة التي يتحدث عنها الطلبة بين ما يُعرض في التقارير الرسمية وما يعيشونه يوميا، فهم يرون أن الأرقام والبيانات التي تتحدث عن “نجاح المشروع” تبقى حبرا على ورق، فثلاث سنوات من الدراسة لم تمنحهم فرصة فعلية للاستفادة من مخابر مجهزة أو من تكوين سريري مستقر، وهو ما يعمق لديهم الشعور بأن الترقية ـ إن حدثت دون استكمال الشروط ـ ستكون شكلية أكثر منها جوهرية. في خلفية هذا النقاش، يبرز أيضا بعد سياسي لا يمكن تجاهله، فالمشاريع الكبرى تحمل رمزية قوية في الخطاب العام، وعندما يعلن عن خطوة بحجم “إنشاء كلية طب”، تتحول تلقائيا إلى عنوان بارز في المشهد المحلي، وهنا يتخوف الطلبة من أن يتحول المشروع إلى مادة بروز سياسي أكثر منه ورشة إصلاح أكاديمي عميق، متسائلين حول ما إذا كانت القرارات اتخذت بعد زيارات ميدانية دقيقة وتقييم شامل، أم بناء على تقارير إدارية لا تعكس تماما الواقع اليومي، فالطلبة يفرقون بوضوح بين من “يريد الاسم” ومن “يريد النجاح”،

والنجاح لا يقاس بعدد اللافتات ولا بحجم التغطية الإعلامية، بل بقدرة المؤسسة على تخريج أطباء مؤهلين، لأن أي خلل في التكوين لن يدفع ثمنه الطالب وحده، بل المنظومة الصحية برمتها. من زاوية استقصائية، تبقى الأسئلة الأساسية واضحة: هل تم إجراء تقييم شامل للجاهزية قبل الإعلان عن نية الترقية؟ وهل يتوفر العدد الكافي من الأساتذة؟ ولماذا لم تنشر هذه المعطيات بشفافية؟ إن القضية تتعلق بمصداقية القرار العمومي، فإذا كانت الشروط متوفرة، فإن نشرها سيعزز الثقة، أما إذا كانت العناصر لا تزال قيد الاستكمال، فإن الاعتراف بذلك سيكون أكثر مسؤولية من المضي في خطاب احتفالي، وعليه فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل من يروج لهذا المشروع بصفته ‘انجازاً جاهزا‘؛ فمحاولة استغلال عواطف سكان الجلفة وحاجتهم للصحة عبر تسويق ‘ترقية ورقية’ لملحقة تعاني إعاقة بيداغوجية هو فعل يلامس منطقة الخطر الأخلاقي، فالجلفة لا تريد لافتة براقة تُصورها الكاميرات، بل تريد كفاءات طبية تُصقل في غرف العمليات والمخابر الحقيقية، لأن الطب ليس مجرد شهادة تُعلق على الجدار، بل كفاءة تُمارَس ومسؤولية تبدأ من جودة التكوين قبل أي اعتبار آخر، والتاريخ لن يرحم من بنى ‘كلية من ورق’ وترك للمواطن ‘أطباء بلا تكوين’.

المصدرالجلفة أونلاين
Exit mobile version