لم يعد فرحات مهني يخفي طبيعة العلاقات التي نسجها تنظيم «ماك» مع جهات خارجية، بعدما انتقلت تحركاته من مجرد لقاءات وتصريحات إلى خطوات أكثر وضوحًا في بناء شبكة علاقات سياسية ودبلوماسية تستهدف الحصول على دعم خارجي لمشروعه الانفصالي ضد الجزائر.
وفي أحدث هذه الخطوات، أعلن فرحات مهني، في 30 سبتمبر 2026، تعيين أيوب قرا، الوزير الإسرائيلي السابق والقيادي في حزب الليكود، مستشارًا مكلفًا بالعلاقات الدولية. واللافت أن المهمة الممنوحة له لا تتعلق بدور رمزي فقط، بل تشمل إعداد ملفات حول العلاقات الدولية وإجراء اتصالات باسم قيادة التنظيم بما يخدم مساعيه للحصول على اعتراف خارجي بمشروعه.
أيوب قرا لم يترك مجالًا كبيرا للتأويل بشأن طبيعة مهمته، إذ ظهر في تسجيل مصور عقب تعيينه وأعلن أنه سيعمل على تعزيز الحضور الدولي لـ«ماك» وتطوير علاقاتها الخارجية، مع تركيز خاص على إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا، كما وجه شكره للتنظيم على دعمه لما يسمى «الباشان» ولإسرائيل.
والأخطر أن هذا التعيين لم يأتِ من فراغ. ففي 19 سبتمبر الماضي، ظهر فرحات مهني إلى جانب أيوب قرا في فرنسا خلال لقاء حمل اسم «Bashan in Paris»، حيث أعلن مهني دعمه لمطالب انفصالية في جنوب سوريا، بما فيها الاستقلال وطلب الحماية من إسرائيل. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: تنظيم يطرح نفسه في الخارج باعتباره صاحب مشروع انفصالي في الجزائر، يذهب في الوقت نفسه إلى دعم مشاريع انفصالية أخرى في المنطقة وطلب حمايتها من إسرائيل.
العلاقة بين مهني وإسرائيل ليست جديدة أيضا. فقد زار إسرائيل سنة 2012 والتقى شخصيات سياسية إسرائيلية، قبل أن تتخذ العلاقة خلال السنوات الأخيرة منحى أكثر علنية. وبعد أحداث 7 أكتوبر 2023، ظهر مهني في باريس في فعاليات مؤيدة لإسرائيل، رافعًا علم تنظيمه إلى جانب العلم الإسرائيلي، فيما واصل لاحقًا مهاجمة الجزائر من الخارج.
لكن الملف لا يقف عند إسرائيل وحدها. فالمغرب، الذي تبنى في المحافل الدولية مواقف مرتبطة بما يسمى «حق تقرير المصير في منطقة القبائل»، دخل بدوره في المشهد السياسي المرتبط بالقضية التي يروّج لها مهني، لتتوسع بذلك دائرة الأطراف التي تحاول استثمار الورقة الانفصالية ضد الجزائر.
وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل تحولت قضية «ماك» إلى ورقة تتقاطع حولها مصالح أطراف إقليمية وخارجية، من المخزن إلى إسرائيل، بهدف الضغط على الجزائر؟
فالمشهد الذي يتشكل أمام الرأي العام لا يتعلق هذه المرة بتصريح عابر أو لقاء بروتوكولي. قيادة «ماك» تختار شخصية سياسية إسرائيلية سابقة لتولي ملف العلاقات الدولية، وهذه الشخصية تعلن صراحة أن إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا ستكون ضمن أولويات تحركها، في الوقت الذي تظهر فيه قيادة التنظيم إلى جانبها في ملفات انفصالية إقليمية أخرى.
أما الحديث عن المغرب، فيجب وضعه ضمن سياقه السياسي المعلن، بدل الاكتفاء بالشعارات. فقد أصبح اسم الرباط حاضرًا في ملف «القضية القبائلية» من خلال مواقف وتصريحات وتحركات دبلوماسية، وهو ما تعتبره الجزائر تدخلًا في شؤونها الداخلية ومحاولة لاستعمال ورقة الانفصال للضغط عليها.
وبذلك، يجد مشروع فرحات مهني نفسه محاطًا بشبكة من العلاقات الخارجية التي تمنحه مساحة للتحرك في الخارج، بينما يبقى السؤال الأساسي: هل يبحث «ماك» فعلًا عن الاعتراف الدولي، أم أنه يتحول تدريجيًا إلى أداة في صراع إقليمي أوسع يستهدف الجزائر؟
واللافت أن اختيار أيوب قرا لمهمة العلاقات الدولية يأتي في توقيت تتقاطع فيه ملفات «ماك» مع إسرائيل ومع مشروع «الباشان»، في وقت يسعى فيه مهني إلى تقديم نفسه في الخارج باعتباره ممثلًا لمشروع انفصالي جزائري، رغم أن مواقفه لا يمكن تعميمها على سكان منطقة القبائل أو تقديمها باعتبارها موقفًا جماعيًا للمنطقة.أما ما يروج بشأن أن الموساد هو الذي عيّن أيوب قرا أو أنه يعمل رسميًا بصفته ضابطًا في الموساد ، فلا ينبغي تقديمه كحقيقة من دون وثيقة موثوقة تثبته. الثابت في المصادر التي أمكن التحقق منها هو أن قرار التعيين صدر عن فرحات مهني نفسه، وأن قرا قبل المهمة وأعلن توجهه للعمل على توسيع علاقات «ماك» الخارجية، خصوصًا مع إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا.
لكن ذلك لا يلغي دلالة التطور السياسي: تنظيم مصنف إرهابيا في الجزائر يختار وزيرا إسرائيليا سابقا وعضوا في الليكود مسؤولا عن علاقاته الدولية، في الوقت الذي تتقاطع فيه تحركاته مع مواقف إسرائيلية ومغربية مرتبطة بالورقة الانفصالية.
وهنا تكمن خطورة المشهد بالنسبة للجزائر: ليس في وجود خلاف سياسي عابر، وإنما في محاولة تحويل مشروع تقسيم الجزائر إلى ملف دولي، واستعمال علاقات خارجية وشخصيات سياسية وفعاليات إقليمية لإعطائه شرعية لا يمتلكها داخل المجتمع الجزائري.
فالجزائر، بكل مكوناتها، تبقى دولة واحدة، ولا يملك فرحات مهني ولا «ماك» حق التحدث باسم منطقة القبائل أو اختزال سكانها في مشروع انفصالي، كما أن تحويل الهوية الأمازيغية إلى أداة لتقسيم الجزائريين يصطدم بحقيقة أن الأمازيغية جزء أصيل من الهوية الوطنية الجزائرية ومكوّن دستوري للبلاد.
وفي النهاية، فإن الصورة التي تكشفها التطورات الأخيرة واضحة: «ماك» تبحث عن الخارج، والمغرب يتحرك سياسيا في ملف القبائل، وإسرائيل تجد في هذه الورقة مجالا للتحرك، بينما يحاول فرحات مهني جمع هذه الخيوط في مشروع واحد هدفه انتزاع اعتراف خارجي بمشروع انفصالي يرفضه الإطار الدستوري والسياسي الجزائري.
والسؤال الذي يبقى مطروحا: إلى أين يمكن أن تصل هذه الشبكة، ومن يقف فعلا خلف توسيع تحركات «ماك» خارج الجزائر؟
