لم تعد الحرب ضد الجزائر تخاض فقط عبر المواقف السياسية أو الحملات الإعلامية التقليدية، بل انتقلت منذ سنوات إلى مرحلة أكثر خبثا وتعقيدا: حرب الأرقام وصناعة الذعر الاقتصادي وتوجيه الرأي العام عبر منصات وصفحات تنشط من الخارج، تعمل بمنطق غرف عمليات إلكترونية لا بمنطق التحليل الموضوعي. فكلما سجلت الجزائر مؤشرات اقتصادية جديدة، أو أعلنت مشاريع استراتيجية، أو حققت تقدما في ملفات الطاقة والاستثمار والصناعة، تنطلق في المقابل موجة منظمة من المنشورات والتحليلات المعلبة التي تحمل عنوانا واحدا: “الجزائر تنهار”.
آخر حلقات هذه المسرحية الرقمية تمثلت في منشورات تدعي أن احتياطات الصرف الجزائرية انهارت إلى حدود 29 مليار دولار فقط، عبر ما سوق على أنه “تحليل اقتصادي صادم” يكشف “الحقيقة المخفية”. لكن عند إزالة العناوين الصاخبة والعبارات التحريضية، لا يجد القارئ أمامه سوى عملية حسابية مبسطة، أخرجت من سياقها عمدا للوصول إلى نتيجة جاهزة مسبقا.
المثير للانتباه أن أصحاب هذه الروايات يتصرفون وكأن اقتصاد دولة بحجم الجزائر يدار مثل دفتر حسابات في مقهى أو منشور فيسبوكي سريع: صادرات ناقص واردات يساوي انهيار الاحتياطات. هكذا بكل بساطة. لا حديث عن الميزان الشامل للمدفوعات، ولا عن الأصول الخارجية، ولا عن احتياطات الذهب، ولا عن حركة الاستثمارات، ولا عن التدفقات البنكية والمالية ولا عن المعايير الدولية التي تحتسب بها احتياطات الصرف عبر المؤسسات النقدية العالمية. يتم حذف كل ما لا يخدم الرواية، والإبقاء فقط على الأرقام التي تصلح لصناعة الخوف.
الأكثر إثارة أن هذه الصفحات تبدأ حديثها بعبارات من قبيل “النظام يخفي الأرقام” و”فضيحة كبرى” قبل عرض أي معطيات، وكأن الحكم صدر قبل بدء المحاكمة. وهي تقنية إعلامية قديمة تعتمد على شحن المتابع نفسيا أولا ثم تمرير الرسالة لاحقا. فحين تسبق التهمة الدليل، لا يكون الهدف الوصول إلى الحقيقة بل توجيه المتلقي نحو نتيجة محددة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الجزائر، كما يزعمون، تعيش انهيارا ماليا واحتياطاتها في الحضيض، فمن أين تمول مشاريع البنية التحتية الكبرى؟ وكيف تستمر برامج السكن والدعم والتحويلات الاجتماعية والاستثمارات الصناعية؟ وكيف تُفتح عشرات المشاريع الجديدة في الطاقة والسكك الحديدية والربط والمنشآت الاستراتيجية؟ وكيف تتحدث المؤسسات الدولية نفسها عن مؤشرات نمو وتوسع اقتصادي؟ هل العالم كله مخطئ وصفحات الفيسبوك وحدها تملك الحقيقة المطلقة؟
الأمر لم يعد خافيا على أحد. هناك منصات وصفحات تحولت إلى أدوات تعمل وفق أجندة واضحة: إنتاج صورة سوداء عن الجزائر مهما كانت المعطيات. وإذا تحسن مؤشر اقتصادي قالوا إنه مزور، وإذا ارتفعت الاستثمارات قالوا إنها دعاية، وإذا زادت الاحتياطات قالوا إنها أرقام مخفية. الهدف ليس النقاش الاقتصادي إطلاقا، بل صناعة حالة تشكيك دائمة وإقناع المواطن بأن بلده يسير نحو الهاوية.
ولم يعد سرا أيضا أن جزءا من هذا الخطاب يجد صداه داخل أبواق إعلامية مرتبطة بأجندات إقليمية معروفة، على رأسها دوائر المخزن ودويلة الخمارات التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ماكينة دعائية مهووسة بكل ما يتعلق بالجزائر. فمنذ أن فشلت رهانات سياسية وإقليمية عديدة، انتقل جزء من المعركة إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تصنع الحسابات الوهمية وتدار الصفحات وتضخ الروايات ذاتها بصيغ مختلفة: مرة عبر “محللين اقتصاديين”، ومرة عبر “معارضين”، ومرة عبر صفحات تدعي امتلاك معلومات حصرية.
المفارقة الساخرة أن بعض هذه الجهات التي تتحدث يوميا عن الاقتصاد الجزائري وتوزع شهادات النجاح والفشل على الآخرين، تأتي من بيئات تعيش أزمات اجتماعية واقتصادية عميقة، حيث تتصدر البطالة والهجرة واليأس عناوين الواقع اليومي، لكنها فجأة تتحول إلى خبيرة في احتياطات الصرف الجزائرية ومستقبل الاقتصاد الوطني.
ما يحدث اليوم ليس مجرد اختلاف في قراءة الأرقام، بل محاولة واضحة لتحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة حرب نفسية. والرهان هنا ليس على إسقاط اقتصاد، لأن اقتصادات الدول لا تسقطها منشورات الفيسبوك، بل الرهان على ضرب الثقة الداخلية وإشغال المواطن بسيل لا ينتهي من الإشاعات والأرقام المفبركة.
النقد حق، بل واجب، ومحاسبة السياسات الاقتصادية ضرورة، لكن هناك فرقا شاسعا بين النقد وبين صناعة الأكاذيب. وفرق أكبر بين التحليل وبين غرف الدعاية. لأن الاقتصاد لا يدار بمنشورات الغضب، ولا تبنى الدول عبر صفحات تعيش على الإثارة، ولا تقاس قوة الأوطان بعدد الصرخات القادمة من الخارج.
لقد أصبحت الجزائر بالنسبة لبعض الجهات عقدة يومية، وأصبح استهدافها مشروعا متواصلا، لكن ما يثير السخرية أن من يعلن كل أسبوع “نهاية الجزائر” يعود في الأسبوع الذي يليه للبحث عن رواية جديدة، وكأن الجزائر التي أعلنوا سقوطها عشرات المرات ما زالت تفسد عليهم سيناريو الانهيار الموعود.



















