في قلب قصر المعارض بالصنوبر البحري، حيث تلتقي الكلمة بالفكر وتتصافح الثقافات في فضاء الطبعة الثامنة والعشرين من الصالون الدولي للكتاب بالجزائر (SILA 2025)، كان جناح دار الأمة أكثر من مجرد ركن لعرض الكتب — كان فضاءً نابضًا بالحوار والفكر والنقاش الحقيقي، تقوده روح الكاتب والصحفي أسامة وحيد، الذي حضر كعادته محمّلًا بأسئلته، وساخنًا بلغته، وأمينًا على الكلمة التي لا تهادن.
في جناحه الصغير، تجتمع العناوين الجريئة مثل “المعلّبون في الأرض” و“نهاية الخطاب الرمادي”، لتؤكد أن حضور أسامة وحيد في معرض الكتاب ليس احتفالًا بالكتابة فحسب، بل دفاعًا مستمرًا عن حرية التفكير وكرامة المثقف في زمنٍ أصبحت فيه الحقيقة عملة نادرة.
لكنّ اللحظة اللافتة التي اختزلت كل رمزية هذا الحضور، كانت زيارة “وزير الاتصال الدكتور زهير بوعمامة” إلى جناح دار الأمة. جاء — كما وصفه وحيد — “قارئًا قبل أن يكون وزيرًا”، متخففًا من الرسميات، متواضعًا في حضوره، صادقًا في نبرته. دخل ببساطة المثقف الحقيقي، يقتني كتبه من جيبه، ويصرّ على الدفع، في مشهد نادر يجسّد علاقة العالم بالمعرفة لا بالمنصب أو البروتوكول.
لم يكن المشهد مجرد زيارة عابرة، بل لحظة تلاقٍ بين القلم والقرار، بين الفكر والسلطة حين تتواضع أمام الثقافة. فالوزير بوعمامة، الباحث والجامعي قبل أن يكون مسؤولًا، اختار أن يوجّه رسالة ضمنية مفادها أن “المعرفة لا تشتري بالهيبة، بل بالاحترام”.
في هذا اللقاء العفوي، كما رواه أسامة وحيد، غابت الرسميات وحضرت البساطة. الحديث كان عن الكلمة والحرية والكتابة، لا عن المراسلات والخطابات. شكر الكاتب الوزير قائلًا: “شكرًا لمعالي الوزير الدكتور بوعمامة على كرم الزيارة،
وأصالة الموقف، واحترام القلم وأهله.”
اقتنى الوزير من مؤلفات وحيد كتابه الأخير “المعلّبون في الأرض”، وهو عنوان يختصر فلسفة الكاتب في نقده اللاذع للواقع الثقافي والسياسي، حيث “المعلّبون” — كما وصفهم — هم أولئك الذين يعيشون داخل قوالب جاهزة، يكررون أنفسهم، ويفقدون روح المغامرة الفكرية، لا يملكون شجاعة الموقف ولا أصالة الفكرة. في زمن الخطاب المستنسخ، يبدو صوت وحيد استثناءً في مشهدٍ يفضل الصمت على الصدام.
إن جناح أسامة وحيد في المعرض لم يكن مجرد فضاء لتوقيع الكتب، بل مختبرًا فكريًا مفتوحًا. زواره لم يأتوا لالتقاط الصور فقط، بل لتبادل الأفكار، وسماع ذلك الصوت الذي يكتب من موقع الوجع لا الوجاهة.
الذين مرّوا من هناك أدركوا أن الكتابة عند وحيد ليست حرفة، بل مقاومة يومية ضد الابتذال وضد “تعليب” الإنسان والفكر واللغة.
وفي زمنٍ تتراجع فيه القراءة أمام الصورة السطحية، يظهر مثل هذا الجناح كحالة مضادة للزمن الرديء، حيث الكلمة ما تزال قادرة على إشعال الأسئلة في العقول.
ربما لهذا السبب، تحوّل حضور أسامة وحيد إلى حدث داخل الحدث — لأن المعرض يحتاج إلى من يعيد إليه روحه النقدية ويذكّره أن الكتاب ليس سلعة للعرض فقط، بل موقف وذاكرة ومسؤولية.
زيارة الوزير كانت اعترافًا ضمنيًا بهذه القيمة؛ أن الثقافة ليست ترفًا، بل جزءًا من السيادة الرمزية للدولة. وأن الكتاب، في النهاية، هو السلاح النظيف الذي لا يُطلق إلا الوعي.
أسامة وحيد، بكتاباته وحضوره وجناحه، يواصل لعب دوره الذي اختاره منذ البداية: أن يكتب ليوقظ، لا ليرضي؛ أن يسائل، لا ليصفّق؛ أن يبقى شاهدًا على زمنٍ تتشابه فيه الأصوات وتندر فيه الصداقات مع الحقيقة.
وهكذا، من بين مئات الأجنحة وعناوين الكتب، كان هناك ركن مختلف… حيث الكاتب ما يزال يؤمن بالكلمة، والوزير يأتي قارئًا، والجمهور يستعيد شيئًا من معنى الثقافة في زمن الصخب.
