عاد اسم محمد بوسليماني إلى الواجهة الحكومية من جديد، بعد تعيينه وزيرا للاتصال ضمن التعديل الوزاري الجزئي الذي أجراه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، والذي شمل أربع حقائب وزارية، من بينها وزارة الاتصال. وبذلك يعود بوسليماني إلى القطاع الذي يعرفه جيدًا، بعد تجربة سابقة على رأس الوزارة.
عودة بوسليماني إلى وزارة الاتصال ليست وليدة مسار سياسي قصير، وإنما تأتي بعد رحلة مهنية طويلة داخل قطاع الإعلام والاتصال امتدت لعقود، بدأها من العمل الصحفي قبل أن ينتقل إلى الإدارة ويتدرج في عدد من المسؤوليات، وصولًا إلى منصب الوزير.
محمد بوسليماني، المولود في الجزائر العاصمة في 25 نوفمبر 1956، يحمل شهادة ليسانس في العلوم السياسية وعلوم الإعلام، كما عمل في بدايات مساره صحفيًا في المجال الرياضي لعدة سنوات، قبل أن يلتحق بوزارة الإعلام سنة 1985 بصفته متصرفًا إداريًا.
ومن هنا بدأت رحلة التدرج الإداري؛ ففي الفترة الممتدة بين 1985 و1989 شغل منصب متصرف إداري بوزارة الإعلام، قبل أن ينتقل سنة 1989 إلى منصب رئيس مكتب بوزارة الإعلام، وهو المنصب الذي شغله إلى غاية 1991. وفي سنة 1991 انتقل إلى المجلس الأعلى للإعلام، حيث تولى مسؤولية رئيس مكتب الصحافة الوطنية، واستمر في هذه المهمة إلى سنة 1994، قبل أن يعود إلى وزارة الاتصال ويتولى بين 1994 و1995 منصب رئيس مكتب المجلة الصحفية.
ولم يتوقف التدرج عند هذا المستوى، إذ تولى سنة 1995 منصب نائب مدير الصحافة المكتوبة الأجنبية بوزارة الاتصال، كما كان في السنة نفسها عضوًا في لجنة العمل الإعلامي الموجه نحو الخارج.
وفي سنة 1996 انتقل إلى منصب نائب مدير العمل الموجه نحو الخارج بوزارة الاتصال والثقافة، قبل أن يدخل مرحلة جديدة في مساره الإداري، تمثلت في توليه مسؤولية مدير التعاون والتبادل بوزارة الاتصال والثقافة ابتداءً من 1998، وهو المنصب الذي استمر فيه إلى غاية 2004.
ومع إعادة تنظيم القطاع، واصل بوسليماني مهامه في المنصب نفسه داخل وزارة الاتصال، حيث شغل منصب مدير التعاون والتبادل بوزارة الاتصال بين 2004 و2011، وهي مرحلة طويلة سمحت له بالاحتكاك بملفات التعاون الإعلامي والعلاقات مع المؤسسات والهيئات ذات الصلة بالقطاع.
وفي سنة 2011 وصل إلى واحدة من أعلى المسؤوليات الإدارية داخل الوزارة عندما عين أمينا عامًا لوزارة الاتصال، وهو المنصب الذي شغله إلى غاية 2013. وبذلك يكون قد قطع مسارًا إداريًا متدرجًا من متصرف إداري ورئيس مكتب إلى مدير ثم أمين عام للوزارة، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى المستوى الحكومي.
ويسجل لبوسليماني كذلك نشاط في المجال الإعلامي والعلاقات الدولية، من خلال مشاركاته في عدد من الملتقيات والفعاليات الإعلامية، إلى جانب عضويته في اللجنة الدائمة لخبراء الإعلام العرب بجامعة الدول العربية، وفق السير المنشورة عنه.
بعد سنوات من العمل داخل الإدارة المركزية لقطاع الاتصال، جاءت المحطة الحكومية الأولى في مساره عندما عيّنه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وزيرًا للاتصال في نوفمبر 2021، خلفًا لعمار بلحيمر. وتولى بوسليماني الحقيبة في مرحلة كانت فيها ملفات الإعلام والاتصال تشهد تحولات تنظيمية ورقمية متسارعة.
وخلال توليه الوزارة، ظهر بوسليماني في عدد من النشاطات والفعاليات الإعلامية، وتحدث في مناسبات مختلفة عن قضايا مرتبطة بتطوير الإعلام ومواجهة التحديات الرقمية والاتصالية، كما شارك في فعاليات عربية ودولية مرتبطة بقطاع الإعلام.
غير أن تجربته الوزارية الأولى انتهت في يونيو 2023، عندما قرر رئيس الجمهورية إنهاء مهامه على رأس وزارة الاتصال.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات، يعود بوسليماني اليوم إلى الوزارة نفسها، لكن في سياق مختلف، ليصبح بذلك من الوزراء الذين تولوا الحقيبة نفسها مرتين.
وتحمل هذه العودة دلالة واضحة على أن الرجل يدخل الوزارة الجديدة وهو لا يبدأ من الصفر؛ فهو يأتي بخبرة طويلة داخل الإدارة المركزية للقطاع، وتجربة سابقة على رأس الوزارة، إلى جانب مسار مهني بدأ من الصحافة وانتقل تدريجيًا إلى المسؤوليات الإدارية العليا.
وتأتي عودته في وقت يعرف فيه قطاع الإعلام الجزائري تحولات كبيرة، خاصة مع توسع الإعلام الرقمي، وتزايد حضور الصحافة الإلكترونية، وتغير طبيعة العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالمحتوى الرقمي، والتنظيم، والإشهار، وتطوير المؤسسات الإعلامية.
وبالنسبة للأسرة الإعلامية، فإن عودة بوسليماني تفتح أيضا بابا واسعا للتساؤلات حول الملفات التي سيضعها على رأس أولوياته: هل سيعمل على إعطاء دفع جديد للصحافة الوطنية؟ وهل ستكون الصحافة الإلكترونية والإعلام المحلي ضمن أولوياته؟ وكيف سيتعامل مع مطالب الصحفيين والمؤسسات الإعلامية؟ وما الذي تغير في الوزارة منذ مغادرته الأولى؟
الأكيد أن محمد بوسليماني لا يدخل وزارة الاتصال للمرة الأولى، بل يعود إليها بعد أن عرف ممراتها من الداخل، وعمل في عدد كبير من مستوياتها، من متصرف إداري ورئيس مكتب، مرورًا بمسؤوليات الصحافة المكتوبة والتعاون والتبادل، وصولًا إلى الأمانة العامة، ثم الوزارة.
من الصحافة الرياضية إلى الإدارة المركزية، ومن رئيس مكتب إلى أمين عام، ثم وزير للاتصال.. محمد بوسليماني يعود اليوم إلى الوزارة التي أمضى فيها الجزء الأكبر من مساره المهني، ليبدأ فصلًا جديدًا من تجربته الحكومية.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الوزير العائد ليس فقط استعادة موقعه السابق، وإنما إثبات أن هذه العودة الثانية ستكون قادرة على تقديم إجابات جديدة لقطاع تغير كثيرًا منذ تجربته الوزارية الأولى.



















