ما الذي يجري في المنطقة؟ سؤال لم يعد من السهل تجاهله أمام تزامن أحداث أمنية وسياسية متشابكة تبدأ من ليبيا، حيث تعرضت منشآت لإنتاج البريغابالين مرتبطة بمصالح إماراتية لضربات جوية نفذتها طائرات مجهولة، وتمتد إلى الجزائر، حيث اندلعت حرائق واسعة في عدد من الولايات، مخلفة ضحايا وخسائر بشرية ومادية وبيئية كبيرة. فهل نحن أمام أحداث منفصلة لا رابط بينها، أم أن ما يجري يحمل في طياته خيطًا إقليميًا واحدًا يستحق أن يُفتح أمام الرأي العام؟
الفرضية التي تفرض نفسها في هذا التحقيق أكثر حساسية: إذا كانت الضربات التي استهدفت مصالح إماراتية في ليبيا تمثل «الفعل»، فهل يمكن أن تكون الحرائق التي اندلعت في الجزائر جزءًا من «رد الفعل»؟ وهل يمكن أن يكون الصراع على النفوذ في المنطقة قد تجاوز ساحاته التقليدية، لينتقل إلى الضغط على الجزائر عبر أعمال تخريبية أو محاولات لزعزعة الاستقرار؟
الأسئلة تزداد أهمية أمام وقائع أخرى تستحق التوقف عندها. ففي العاصمة، وبمحاذاة الطريق الوطني رقم 11 بمنطقة الدار البيضاء، تحدث الزميل الإعلامي نبيل كحلوش عن مشاهدته لبداية حريق في حدود الساعة 15:45، مؤكدًا أنه شاهد الدخان يتصاعد من بين الأشجار بالقرب من محطة الكهرباء، فتوقف في المسار الاستعجالي واتصل بالحماية المدنية وحاول احتواء النيران.
لكن، بحسب شهادته، فإن ما حدث بعد ذلك كان لافتًا؛ إذ قال إنه شاهد شخصًا يخرج من وراء الأشجار المشتعلة ويتجه نحو قطع الطريق السريع، بينما كانت النيران تزداد اشتعالًا بسرعة، مضيفًا أن الشخص كان يخفي شيئًا في يده، وأنه لم يكن هناك، بحسب ما عاينه، شخص آخر بين الحشائش في تلك اللحظة. كما أكد أنه وثق المشهد بهاتفه، في وقت كانت فيه كاميرات المراقبة موجودة على مستوى الطريق السريع، وهي تسجيلات يمكن أن تكون حاسمة في كشف حقيقة ما حدث.
وبحسب روايته، فإن مرور سيارة للشرطة عبر الرواق الاستعجالي سمح لعناصر الأمن بالوصول بسرعة إلى المكان وملاحقة الشخص الذي كان قد عبر الطريق باتجاه المساحة الفاصلة بين المسارين، قبل أن يتم توقيفه أمام المارة.
إذا أكدت التحقيقات الرسمية والتسجيلات وكاميرات المراقبة هذه التفاصيل، فإن الواقعة تصبح أكثر من مجرد حريق؛ لأنها تطرح بجدية فرضية الفعل البشري المتعمد. أما تحديد مسؤولية الشخص الموقوف من عدمها، فيبقى بطبيعة الحال من اختصاص التحقيق والقضاء.
الحرارة والجفاف والرياح عوامل تساعد على اندلاع الحرائق وانتشارها، لكن هذه العوامل لا تجيب وحدها عن سؤال مصدر النار عندما توجد شبهات حول الإضرام العمدي. ولهذا، فإن التحقيق الجدي يجب أن يبدأ من نقاط البداية: أين اشتعلت النار؟ متى؟ وكيف؟ وهل ظهرت بؤر متزامنة أو متقاربة؟ وهل عثر في مواقع معينة على وسائل يمكن أن تكون قد استُعملت لإشعالها؟
وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا معلومات عن العثور على عجلات مطاطية في بعض المناطق الغابية الشرقية، وهي معلومات تحتاج إلى تثبيت رسمي، لكن إن أثبتت المعاينات وجود وسائل اشتعال متعمدة في أكثر من موقع، فإن الملف سيأخذ منحى مختلفًا تمامًا، وسيتحول السؤال من «كيف اندلع الحريق؟» إلى «من خطط له؟».
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: من المستفيد؟
من يستفيد من تدمير الغابات؟ من يستفيد من إخافة السكان؟ من يستفيد من إرباك أجهزة الدولة؟ ومن يستفيد من تحويل كارثة بيئية إلى أزمة أمنية وسياسية؟
في الخلفية توجد ليبيا، إحدى أهم ساحات الصراع الإقليمي، حيث تتداخل مصالح اقتصادية وأمنية وسياسية متعددة. و أن مصانع لإنتاج البريغابالين مرتبطة بمصالح إماراتية تعرضت لضربات بطائرات مجهولة، فإن السؤال حول هوية المنفذ والدافع والجهة المستفيدة يصبح مشروعا بحد ذاته.
لكن إذا كانت تلك الضربات قد استهدفت فعلا مصالح إماراتية، فإن فرضية «الفعل ورد الفعل» تفتح بابًا آخر: هل يمكن أن تكون هناك محاولة للرد في ساحة مختلفة؟ وهل يمكن أن تكون الجزائر، بحكم موقعها وثقلها الإقليمي، قد أصبحت جزءًا من صراع أكبر من حدودها؟
الجزائر ليست دولة هامشية في المنطقة. فهي لاعب أساسي في شمال إفريقيا والساحل، وتملك مواقف مستقلة في ملفات إقليمية عديدة، كما أن علاقتها بالمخزن المغربي تمر منذ سنوات بأزمة عميقة.
ولهذا، فإن أي تحقيق جدي في احتمال وجود أعمال تخريبية منظمة داخل الجزائر لا ينبغي أن يستبعد فرضية الامتدادات الخارجية إذا ظهرت أدلة عليها.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات الدبلوماسي والسفير الجزائري السابق عمار بلاني أهمية سياسية، بعدما وصف الإمارات بأنها «دولة مشعلة للحرائق ومفترسة تزدهر على الفوضى»، متحدثًا عن توسع نفوذها الإقليمي في مناطق الساحل والقرن الإفريقي.
هذه التصريحات ليست دليلًا قضائيًا على تورط الإمارات في حرائق الجزائر، لكنها تضع أمام المتابع صورة أوسع لصراع النفوذ في المنطقة، وتفتح سؤالًا سياسيًا مشروعًا حول مدى تأثير شبكات النفوذ الإقليمية على أمن دول الجوار.
أما على المستوى الداخلي، فإن وجود تنظيمات تصنفها السلطات الجزائرية ضمن التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها «الماك» و«رشاد»، يجعل فرضية استغلال أي اضطراب داخلي أكثر حساسية. وإذا أثبتت التحقيقات وجود عناصر مرتبطة بهذه التنظيمات في أعمال تخريب أو تحريض أو إشعال حرائق، فإن القضية ستتجاوز الخلاف السياسي لتصبح ملفًا أمنيًا وقضائيًا بالغ الخطورة.
والأمر نفسه ينطبق على أي جهة أخرى، داخلية أو خارجية، يثبت ارتباطها بأعمال تخريبية.
المعيار يجب أن يكون واحدًا: الدليل.
لكن الدليل لا يعني إغلاق باب التساؤل، بل يعني فتحه على مصراعيه.
فإذا كانت هناك أموال تحركت، فمن أين جاءت؟ وإذا كان هناك تحريض، فمن أصدره؟ وإذا كانت هناك اتصالات، بين من ومن؟ وإذا كانت الحرائق متعمدة، هل هي عمليات فردية أم جزء من نمط منظم؟ وإذا كانت هناك صلة خارجية، من يقف خلفها؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تجيب عنها التحقيقات الأمنية والقضائية.
أما تحويل كل حادث إلى مؤامرة جاهزة، فهو خطأ. وتحويل كل تساؤل إلى «شائعة»، خطأ آخر.
الجزائر تحتاج إلى الحقيقة، والحقيقة وحدها.
فإذا أثبتت التحقيقات أن الحرائق طبيعية أو ناجمة عن أخطاء بشرية متفرقة، فليُعلن ذلك. وإذا أثبتت وجود إضرام متعمد، فليُكشف الفاعلون. وإذا كشفت عن شبكة منظمة، فليُكشف ممولوها ومحرضوها. وإذا وصلت الخيوط إلى الخارج، فليعرف الجزائريون من يقف وراءها.
وفي حال ثبت أن ما حدث في ليبيا كان «فعلًا»، وأن ما حدث في الجزائر كان «رد فعل»، فإن القضية ستكون أكبر بكثير من مجرد حرائق متفرقة؛ ستكون أمام مواجهة غير معلنة تتداخل فيها الطائرات والمال والنفوذ والأذرع المحلية.
أما إذا لم تثبت أي علاقة، فستبقى الأحداث منفصلة، ويجب احترام الحقيقة.
لكن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا أمام التحقيق هو:
من ضرب مصانع البريغابالين في ليبيا؟ ومن أشعل حرائق الجزائر؟ وهل نحن أمام مصادفتين متزامنتين، أم أمام «فعل وردّ فعل» في حرب نفوذ صامتة؟
فالجزائر ليست ساحة لتصفية الحسابات، وليست أرضًا مستباحة لمن يريد أن يختبر قدرته على إشعال الفوضى.
بعد يدك على بلادي 🇩🇿… من يفكر في إشعال الجزائر عليه أن يعرف أن النار قد تخمد، لكن الحقيقة ستبقى تبحث عن اليد التي أشعلتها.



















