على بعد 22 ألف كيلومتر من سواحل المحيط المتوسط، وفي نقطة خلف قارة أستراليا تكاد لا تراها العين على الخارطة إلا مجهرياً، تقف نخلة جزائرية غريبة في جزيرة “نيو كاليدونيا” (كاليدونيا الجديدة)، تلاطمها أمواج المحيط الهادي لكن عروقها لا تزال ممتدة في تراب الوطن الجزائر. هذه النخلة ليست مجرد شجرة، بل هي تجسيد حي لمأساة آلاف المقاومين الجزائريين الذين نفاهم المستعمر الفرنسي مكبلين بالأغلال في “سفن الموت” بعد ثورات 1871 وما تلاها، ليقذف بهم في “منفى أبدي” أريد له أن يكون مقبرة لهويتهم، فإذا به يتحول إلى قلعة للصمود حافظ فيها الأحفاد على “جزائريتهم” لقرن ونصف من الزمان، وهم يرفعون اليوم نداء الاستغاثة الأخير إلى رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، طالبين العودة إلى “جنة الأرض” قبل أن تدركهم المنية في ديار الغربة القسرية.
تبدأ فصول هذه المعاناة من رصيف “بوابة المنفيين” في العاصمة “نوميا”، حيث كان الأجداد يساقون كالعبيد، يجبرون على صعود سلالم صخرية وعرة ليوضعوا في “زنزانات الحجر” مجهولة المصير. يروي لنا أحفاد الجيل السادس والسابع، بدموع تسبق الكلمات، كيف كان جيل الأجداد الأوائل (مثل بوفنيش، بوعاني، وعلي بن حمد) يعاملون بقسوة تفوق الوصف؛ حيث كان الحراس الفرنسيون يقامرون “بالكوتشينة” (أوراق اللعب) على رؤوس السجناء الجزائريين، ومن يخسر الرهان يخرج ليقتل سجينا بدم بارد، ما دفع بعضهم لقطع أصابع أقدامهم عمدا للدخول إلى المصحة والنجاة من ليلة الموت المحقق. لم تتوقف المعاناة عند حدود السجن، بل فرض عليهم “استعمار استيطاني” تمثل في إجبارهم على الزواج من فرنسيات “مطلوبات للعدالة” نفتهن فرنسا أيضا لتعمير الجزيرة، في محاولة خبيثة لتمييع العرق الجزائري وصهر الهوية، إلا أن الصدمة كانت في قوة جينات الانتماء؛ فكبر الأحفاد بملامح جزائرية واضحة، وحافظوا على أسماء مثل “ياسمينة” و”وردة” و”عبد القادر” و”الطيب”، وظلوا يرفعون الأذان في مقبرة “نيساديو” التاريخية، تلك البقعة الوحيدة في المحيط الهادي التي تفوح منها رائحة الإسلام وتضم رفات أبطال ماتوا وهم يوصون أحفادهم بعبارة واحدة:
“الجزائر هي الجنة.. لا تنسوا أنكم منها”.
إن معاناة هؤلاء اليوم لم تعد مرتبطة بالسياط أو الأغلال، بل هي معاناة “الروح” التي تشارفت رحلتها على الانتهاء؛ فهم يعيشون فقرا مدقعا في قرى معزولة، تمنعهم تكاليف تذاكر الطيران الباهظة وتعقيدات الأوراق الرسمية من زيارة أرض أجدادهم. يتحدثون إلينا بلغة فرنسية مكسرة ببعض الكلمات العربية التي حفظوها كتمائم، ويقولون بلسان
واحد: “يا عمي تبون، نحن أبناء المقاومين الذين دافعوا عن الشرف والوطن، أعمارنا قاربت على النهاية ونريد فقط أن نكحل أعيننا بتراب الجزائر، ونزور قبور أهالينا في الميلية وقسنطينة والبليدة قبل أن ندفن هنا في الغربة”. إنهم يطالبون السلطات الجزائرية اليوم بالتفاتة كريمة تنهي “المنفى التاريخي” الذي بدأته فرنسا ولم تنهِه الجغرافيا، مؤكدين أن حلمهم ليس “جواز سفر” فحسب، بل هو “حضن الوطن” واعتراف رسمي بأنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني، لاسيما وأن الكثير منهم لا يزال يحتفظ بـ “قدر الضحى” (الكوكوط) وصور الأجداد ببرانيسهم الأصيلة، بل ويبحثون في “اليوتوب” عن أخبار الجزائر وكأنهم يسكنون في حي من أحيائها.
إننا نضع هذا الملف الاستقصائي الثقيل، المليء بالأوجاع والآمال، أمام ضمير الأمة وصناع القرار؛ فهؤلاء ليسوا مغتربين اختاروا الرحيل، بل هم ضحايا قضية وطنية بامتياز، وبقاؤهم في أقصى الأرض دون جسر تواصل هو استمرار للجريمة الاستعمارية. حلمهم اليوم هو “تأشيرة أمل” وتسهيلات تضمن لهم العودة ولو لأسابيع قليلة، ليشعروا بلمسة الأرض التي ضحى من أجلها أجدادهم، وليثبتوا للعالم أن “الجزائر الجديدة” لا تترك أبناءها، حتى أولئك الذين قذفت بهم الأقدار خلف حدود الخارطة بآلاف الأميال. التاريخ يراقب، والذاكرة الوطنية تستحق أن تُنصف، وهؤلاء الشيوخ الذين يرفعون أيديهم اليوم في “نيو كاليدونيا” بالدعاء للجزائر، ينتظرون رداً يشفي غليل قرن ونصف من الحنين القاتل.



















