انتهت رحلة المنتخب الجزائري في كأس العالم 2026، لكن الجدل الحقيقي بدأ بعد صافرة النهاية. فالإقصاء أمام سويسرا لم يكن مجرد خسارة في مباراة، بل كان تتويجا لسلسلة طويلة من الأخطاء الإدارية والفنية، وضعت رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم، وليد صادي، والناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش، في قلب عاصفة من الانتقادات.
فقرار صادي تجديد عقد بيتكوفيتش قبل انطلاق كأس العالم، رغم أنه لم يحقق أي إنجاز يبرر تلك الثقة المطلقة، عاد اليوم ليصبح أحد أكثر القرارات إثارة للجدل. فالمدرب السويسري لم يقدم خلال فترة إشرافه على المنتخب ما يؤكد أنه يقود مشروعا رياضيا واضح المعالم، بل اكتفى بتحقيق نتائج أمام منتخبات متواضعة، بينما كانت مباريات المستوى العالي تكشف محدودية أفكاره التكتيكية وعجزه عن قيادة المنتخب في المواعيد الكبرى.
والأخطر من ذلك أن المنتخب، ومنذ وصول بيتكوفيتش، لم ينجح في امتلاك هوية لعب واضحة. فلا أسلوب ثابت يمكن تمييزه، ولا تشكيلة مستقرة، ولا شخصية فنية تعكس قيمة الأسماء التي يضمها المنتخب. وبعد أكثر من عامين ونصف على رأس العارضة الفنية، بقي المدرب يغير التشكيلة والخطط في كل مناسبة، وكأن المنتخب الوطني تحول إلى حقل تجارب، وليس فريقًا يستعد للمنافسة في أكبر بطولة كروية في العالم.
وفي كأس العالم، لم يقدم “الخضر” الصورة التي انتظرها الجزائريون. وحتى التأهل إلى الدور الثاني لا يمكن اعتباره إنجازًا استثنائيًا، لأنه لم يتحقق عن طريق احتلال أحد المركزين الأول أو الثاني في المجموعة، بل جاء بفضل نظام البطولة الجديد الذي سمح بتأهل أفضل أصحاب المركز الثالث. لذلك فإن بلوغ الدور الثاني لا يرقى إلى إنجاز مونديال 2014 الذي تحقق عن جدارة واستحقاق، بل إن كثيرين يرون أن المنتخب أفلت من خروج مبكر بفضل لوائح المنافسة أكثر مما تأهل بفضل مستواه الفني.
ورغم هذا الإنذار، لم يستخلص بيتكوفيتش الدروس، بل واصل الإصرار على خيارات تكتيكية أثبتت فشلها، وعلى رأسها اللعب دون رأس حربة صريح، وهي الخطة التي سبق أن أخفقت في مباريات سابقة، قبل أن يعيد تكرارها أمام سويسرا، المنتخب الذي يعرفه أكثر من أي مدرب آخر بعدما أشرف على تدريبه لسبع سنوات. والمفارقة أن معرفته الكبيرة بالمنافس لم تمنحه أي أفضلية، بل ظهر المنتخب الجزائري عاجزًا عن مجاراة منافسه في معظم فترات اللقاء.
فكانت النتيجة منتخبا عاجزا هجوميا، مرتبكا في وسط الميدان، وهشا دفاعيا، بينما ظهر العديد من اللاعبين بعيدين عن مستواهم الحقيقي بسبب سوء التوظيف الفني. فلا محرز ظهر بالقيمة التي يعرفها الجميع، ولا مازة استطاع صناعة الفارق، ولا شايبي وجد المساحات، فيما بدا عوار غائبا عن أجواء اللقاء. أما الدفاع فارتكب أخطاء قاتلة، والحراسة لم تمنح المنتخب الأمان المطلوب، ليكتمل مشهد مشاركة مخيبة لم ترتق إلى حجم طموحات الجماهير الجزائرية.
لغة الأرقام كانت صادمة. فقد سجل المنتخب خمسة أهداف فقط طوال البطولة، اثنين أمام الأردن وثلاثة أمام النمسا، بينما استقبلت شباكه تسعة أهداف، ليخرج من المنافسة بعدما قدم واحدة من أضعف مشاركاته في تاريخ كأس العالم.
واليوم، لم يعد النقاش يقتصر على مسؤولية المدرب وحده، بل امتد إلى الاتحاد الجزائري لكرة القدم، باعتبار أن القرارات الإدارية كانت شريكا مباشرا في هذا الإخفاق، بداية من قرار تجديد عقد بيتكوفيتش قبل موعد تقييمه الحقيقي، وصولا إلى غياب أي مؤشرات على مشروع رياضي واضح يعيد المنتخب إلى مكانته القارية والعالمية.
ويؤكد كثير من المتابعين أن أول خطوة بعد هذا الإخفاق يجب أن تكون فتح ملف تجديد عقد بيتكوفيتش قبل المونديال، باعتباره قرارا يصفه منتقدوه بأنه كان متسرعا وغير مبرر رياضيا، خاصة أن المدرب لم يكن قد حقق أي إنجاز يستدعي منحه عقدا جديدا قبل خوض أهم اختبار في مسيرته مع المنتخب.
كما يطالب هؤلاء بتحديد المسؤوليات الإدارية عن هذا القرار، وفتح تحقيق حول ظروف اتخاذه وكيفية تسيير الموارد المالية داخل الاتحاد الجزائري لكرة القدم، معتبرين أن أي سوء تسيير أو هدر للمال العام، إذا ثبت من قبل الجهات الرقابية والقضائية المختصة، يجب أن يقابل بالمساءلة وفق أحكام القانون الجزائري، لأن المال العام مسؤولية، والقرارات التي تمس مصالح المنتخب الوطني لا يمكن أن تبقى بمنأى عن المحاسبة.
فالمنتخب الوطني ليس ملكا لأحد، ولا يجوز أن يتحول إلى ساحة للتجارب أو رهينة لقرارات غير محسوبة. إنه منتخب يمثل أمة بأكملها، وجماهيره لا تطالب بالمستحيل، بل تطالب بالكفاءة، والوضوح، والمحاسبة، وبمشروع رياضي حقيقي يعيد الاعتبار لكرة القدم الجزائرية.
وبعد هذا الإخفاق، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة داخل الشارع الرياضي الجزائري:
هل يتحمل وليد صادي مسؤوليته الأدبية والإدارية ويقدم استقالته بعد الرهان الخاسر على بيتكوفيتش؟ أم أن السلطات الوصية ستتجه إلى إقالته وفتح صفحة جديدة في تسيير الكرة الجزائرية، يكون عنوانها المحاسبة قبل المجاملة، والكفاءة قبل الولاءات، حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها في مستقبل المنتخب الوطني؟



















