لم يعد ملف ثانوية «لغريسي عبد الغالي (المتقنة)» بالجلفة مجرد خلاف إداري عابر، بعدما عاد مدير المؤسسة إلى الواجهة من خلال قرار تثبيته في منصبه، في وقت كان ملف تسيير المؤسسة محل تحفظات وشكاوى سابقة من أفراد من الطاقم الإداري والتربوي، وفق ما ورد في التقارير والوثائق التي سبق إيداعها لدى الجهات الوصية، والتي كانت «الجلفة أونلاين» قد أشارت إلى جانب منها في تقرير سابق.
المثير في القضية أن قرار التثبيت جاء في فترة شهدت تغيير مدير التربية بولاية الجلفة، وهو ما أعاد طرح السؤال حول المسار الذي اتُّبع في دراسة الملف، والجهة التي أعادت طرحه في هذه المرحلة، وما إذا كانت كل المعطيات والتقارير السابقة قد كانت حاضرة أمام المسؤولين عند اتخاذ القرار.
فالمدير الحالي للمؤسسة كان، بحسب المعطيات الواردة في الملف، قد واجه خلال سنة 2024 إجراءات تأديبية انتهت بمعاقبته وتحويله إلى ثانوية «المجاهد نعاس حسن» بدار الشيوخ، وهو ما يجعل عودته إلى المؤسسة الأصلية وتثبيته فيها بحاجة إلى توضيح إداري واضح، خصوصًا في ظل استمرار عدد من التحفظات التي سبق أن أثارها موظفون وأساتذة.
ومن بين الملفات التي وردت في الشكاوى والتقارير السابقة، ما يتعلق بما وصفه أصحابها بـ«التعسف واستغلال السلطة»، مع حديث عن خصومات من الأجور اعتبرها أصحاب الشكاوى ذات طابع انتقامي، وربطوا بينها وبين ضغوط مورست على أفراد من الطاقم الإداري والتربوي بهدف دفعهم إلى التحويل القسري. وهي ادعاءات تبقى بحاجة إلى تحقيق إداري مستقل للتحقق من الوقائع والمسؤوليات.
كما أثيرت حالة موظفة برتبة عون إدارة، تشير الوثائق المقدمة إلى أنها كانت خارج المؤسسة خلال الفترة الممتدة من 16 أفريل 2024 إلى بداية الموسم الدراسي 2025/2026، مع طرح تساؤلات حول عدم تسجيل الخصم من راتبها ومنحة المردودية خلال تلك الفترة، وهي نقطة يمكن التحقق منها بشكل دقيق من خلال سجلات الحضور وكشوف الرواتب والوثائق الإدارية ذات الصلة.
وتتضمن الشكاوى كذلك ادعاءات تتعلق بالتشهير ببعض الأساتذة وتحريض أولياء التلاميذ ضدهم وتشويه سمعتهم، إلى جانب مسألة ربط كاميرات المراقبة الخاصة بالمؤسسة بهاتف المدير الشخصي عبر شبكة الإنترنت، وهي نقاط تحتاج بدورها إلى فحص إداري وتقني لتحديد طبيعة الاستخدام ومدى مطابقته للقواعد المنظمة لحماية ومراقبة مرافق المؤسسة التربوية.
أما الجانب الأكثر حساسية في الملف فيتعلق بالتسيير المالي. فقد وردت مطالب بإخضاع بعض الاعتمادات والإعانات المالية المخصصة للمؤسسة إلى المراقبة والتدقيق، من بينها مبالغ تقدر، وفق المعطيات الواردة في الشكاوى، بـ250 مليون سنتيم وأخرى بـ90 مليون سنتيم، قيل إنها كانت موجهة لتسديد ديون مرتبطة بسنة 2023. ويطرح أصحاب الشكاوى تساؤلات حول كيفية صرف هذه الأموال، خاصة مع استمرار الحديث عن ديون تثقل كاهل المؤسسة، وهو ما يجعل الوثائق المحاسبية وسجلات الالتزام والتصفية والدفع الفيصل في تحديد حقيقة هذه المعطيات.
ولا يتوقف الملف عند الأموال، إذ تشير الشكاوى أيضا إلى ما وصفه أصحابها بإهمال عدد من الهياكل والتجهيزات، من بينها قاعة الأساتذة والمخابر وقاعة الرياضة، رغم استفادة المؤسسة، بحسب ما ورد في الملف، من اعتمادات مالية مخصصة لها. وهنا أيضًا يبقى السؤال إداريا وعمليا: أين صرفت الاعتمادات؟ وما الأشغال أو التجهيزات التي أنجزت فعليًا؟ وهل تتطابق الوضعية الميدانية مع ما هو مثبت في الوثائق المالية والإدارية؟
ويبرز كذلك ملف السكنات الوظيفية، حيث تتحدث المعطيات المقدمة عن عدم مغادرة المدير السابق للسكن الوظيفي بالمؤسسة الأصلية رغم تحويله إلى ثانوية «نعاس حسن» بدار الشيوخ، إلى جانب معلومات متداولة حول استغلال السكن الوظيفي التابع لثانوية نعاس حسن من طرف أستاذ تعليم ابتدائي على شكل إيجار. وهذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى وثائق رسمية توضح وضعية السكنات، وقرارات الاستفادة منها، والجهة المخولة قانونًا بمنحها وشروط شغلها.
كل هذه الملفات لا تعني، في حد ذاتها، ثبوت المخالفات أو تحميل المسؤولية لأي شخص قبل انتهاء التحقيق، لكنها تفسر لماذا لم ينته الجدل بمجرد تثبيت المدير، ولماذا ما زالت الحاجة قائمة إلى إجابات رسمية وواضحة حول الملفات التي سبق طرحها.
والسؤال هنا لا يوجه فقط إلى إدارة المؤسسة، وإنما إلى الجهة الوصية أيضا: هل كانت التقارير والشكاوى السابقة حاضرة بالكامل عند دراسة ملف التثبيت؟ وهل تم فحص مضمونها والتحقق من الوقائع التي تتضمنها قبل اتخاذ القرار؟
كما يطرح تغيير مدير التربية بالتزامن مع هذه المرحلة سؤالا آخر لا يقل أهمية: من اقترح تثبيت المدير؟ ومن أعد ملفه؟ وما هي التقارير التي بني عليها القرار؟ وهل تم الاستناد إلى تقييم إداري جديد للمؤسسة، أم إلى معطيات سابقة؟
والأهم من ذلك كله: إذا كانت الإجراءات التي أفضت إلى تثبيت المدير سليمة ومستوفية للشروط، فلماذا لا يتم توضيح مسارها للرأي العام التربوي، ووضع حد للتأويلات التي رافقت القضية؟
أما إذا كانت هناك تقارير وشكاوى جدية لم تخضع للمعالجة أو التحقيق، فإن المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة، وإنما فتح الباب أمام رقابة إدارية ومالية حقيقية، تسمح بتحديد المسؤوليات بناءً على الوثائق والأدلة، بعيدًا عن الاصطفافات الشخصية.
فالمؤسسة التربوية ليست مجرد مكتب مدير، وإنما مرفق عمومي يضم تلاميذ وأساتذة وموظفين، وتسييره يفترض أن يقوم على وضوح الإجراءات، واحترام القانون، وحماية المال العام، وضمان بيئة عمل مستقرة لجميع أفراد الأسرة التربوية.
لهذا، فإن القضية اليوم لم تعد فقط: لماذا تم تثبيت مدير ثانوية لغريسي عبد الغالي؟ بل أصبحت أسئلة أوسع وأكثر دقة: من اتخذ القرار؟ وعلى أي أساس؟ وهل تمت مراجعة كامل الملفات السابقة؟ ومن يتحمل مسؤولية القرار الإداري والمالي في كل مرحلة؟
وتبقى الإجابة الرسمية من مديرية التربية والجهات الرقابية المعنية هي الكفيلة بحسم الجدل، سواء بتأكيد سلامة الإجراءات والرد على ما ورد في الشكاوى، أو بفتح تحقيق يحدد حقيقة الوقائع والمسؤوليات. ففي النهاية، المطلوب ليس تصفية حسابات ولا استهداف أشخاص، وإنما الوصول إلى حقيقة واضحة تحمي المؤسسة، وتصون المال العام، وتعيد الثقة إلى الطاقم الإداري والتربوي.


















